دين

لو سكت الجاهل لقل الخلاف . ( د.عادل المراغى )

كتب دكتور/ شريف الجندي

لو سكت الجاهل لقل الخلاف :

د.عادل المراغى

كثر اللغط حول صيغة الدعاء المشهورة: “اللهم إني أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها”، ورمى البعض شيخنا الدكتور السيد عبد الباري رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف بالابتداع و التشيع بدعوى تقديم “المفضول على الفاضل،وهذا الفهم ينم عن جهل مركب وشطط فكرى.

وكم من منكر قولا صحيحا

وآفته من الفهم السقيم.

وإليك هذا البيان العلمي واللغوي لتجليّة الحق في المسألة:

أولاً: الوجه الحديثي (حجية الأصل)

المنكرون يضعفون حديث: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك»، والرد أن هذا الحديث -وإن نُوزع في سنده- قد حسّنه جهابذة كالحافظ ابن حجر العسقلاني في “نتائج الأفكار” والحافظ البوصيري. والقاعدة الأصولية تقرر أن الحديث الحسن يُحتج به، بل إن العمل بالضعيف في “فضائل الأعمال والدعاء” سائغ باتفاق المذاهب الأربعة، طالما لم يخالف أصلاً مقطوعاً به.

ثانياً: تقديم “فاطمة” على “أبيها” (لطيفة بلاغية لا غفلة لغوية)

اعترض البعض على تقديم السيدة فاطمة عليها السلام في الذكر على النبي ﷺ، وهذا اعتراض ينم عن غياب “الذوق البياني”؛ فالتقديم هنا ليس تقديماً للمرتبة، بل هو تقديم لجهة “الوسيلة” وتأخير لجهة “الأصل”

تعريف المجهول بالمعلوم: عندما نقول “فاطمة وأبيها”، فنحن نُعرف فاطمة بأعظم مفاخرها (انتسابها للنبي ﷺ)، فالخاتمة هي محط الاستقرار والتعظيم للأب الكريم.

البُضعية النبوية: فاطمة “بضعة” من المصطفى ﷺ، والتوسل بالبضعة هو توسل بأحب الخلق إلى قلبه الشريف، وهذا من أدب الاستعطاف والاضطرار في الدعاء.

النظير القرآني: في آية المباهلة، قدم الله الأبناء والنساء على “الأنفس” فقال: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}. فهل يقول عاقل إن تقديم الأبناء والنساء في الآية حطٌ من قدر النفس النبوية؟ حاشا وكلا، بل هو مقام “إعزاز الأهل” وإظهار كرامتهم.

ثالثاً: حقيقة “الحق” في الدعاء

القول بأن “ليس للعبد حق على الله” حقٌ أريد به باطل؛ فنحن لا نثبت حقاً واجباً بالذات، بل هو “حق إيجاب بفضل الله وكرمه”، كما قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}. فالتوسل بحقهم هو توسل بما أوجبه الله لهم من مكانة وقدر لديه.

رابعاً: التوسل بمحبة آل البيت

اتفق العلماء على جواز التوسل بالأعمال الصالحة (كما في حديث أصحاب الغار). ومحبة فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها هي أزكى عمل قلبي يتقرب به المؤمن لربه، فالمتوسل بهم إنما يتوسل في حقيقته بـ “محبتهم” لله ولرسوله، وهذا عين التوحيد.

الخلاصة:

إن هذا الدعاء هو تعبير عن مودة القربى المأمور بها قرآنياً، وهو توسل بجاه من طهرهم الله تطهيراً. والمنع هنا تحكّمٌ بلا دليل، وتضييقٌ لما وسعه الله ودرج عليه أكابر الأمة وعلماؤها.

السر المستودع في أمنا فاطمة عليها السلام

1- المقصود بالسر هنا هو ما أودعه الله في السيدة فاطمة من خصائص النبوة التي لم تكن لغيرها من النساء. فهي «بضعة مني» كما قال المصطفى ﷺ.

و”لبضعة ليست مجرد قرابة دم، بل هي انتقال للمواريث الروحية والأخلاقية المحمدية. فالسر هو تلك “الروح النبوية” المستمرة في فاطمة، والتي جعلتها أم أبيها

2. سر النسل الطاهر (الاستمرار)

يذهب العلماء إلى أن السر المستودع هو الذرية النبوية.

انقطع نسل النبي ﷺ من أبنائه الذكور، فاستودع الله سر استمرار نوره وذريته في “فاطمة”. فكل من جاء من آل البيت إلى يوم القيامة هو من هذا “السر المستودع” في كيانها الطاهر. وهذا تحقيق لقوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}.

3. سر لولاية والمحبة

السر الكامن فيها هو “ولاية الله” التي خص بها أهل البيت. ففاطمة هي حلقة الوصل بين “النبوة” (أبيها) و”الولاية” (بعلها وبنيها).

هذا السر هو الرابطة الروحية التي تجعل محبة فاطمة “ميزاناً” للإيمان، كما ورد في الآثار: “لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق”.

4. (المعنى الروحي)

في أدبيات الدعاء، يُقصد بالسر: “ما يعجز اللسان عن وصفه من كرامة فاطمة عند ربها”.

هو إقرار من الداعي بأن لفاطمة شأناً عند الله لا يحيط به علمه المحدود، فيتوسل إلى الله بهذا الشأن “المجهول للناس والمعلوم للخالق”، طلباً للإجابة.

خلاصة القول:

أن السر المستودع إشارة بلاغية وروحية إلى ما استودعه الله في بضعة المصطفى من مواريث النبوة، وسر استمرار الذرية الطاهرة التي هي ‘الكوثر’ المحمدي، واعتراف من الداعي بعجز اللسان عن الإحاطة بقدر من طهرهم الله بنص كتابه، فيتوسل بمكنون علم الله فيهم تعظيماً وإجلالاً..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *