دين

بين “قدّس الله سرّه” و“قدّس الله روحه”: حين يتحوّل تحرير اللفظ إلى حجب الفضل‬

‫بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني‬

‫رئيس مؤسسة الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية‬

‫ليس أخطر على ميزان العلم من أن يتحوّل تحرير الألفاظ إلى وسيلة لحجب المعاني، ولا أن يُستدعى الاحتراز اللغوي حين يتعلق الفضل بآل بيت النبوة، ثم يُغضّ الطرف عنه إذا تعلق بغيرهم. وهنا تتجلى إشكالية عبارة: “قدّس الله سرّه” وما دار حولها من نقاش، لا بوصفها مجرد لفظ، بل بوصفها كاشفة لمنهج التعامل مع التوقير والتبجيل في الخطاب الديني.‬

‫لقد جاء الشيخ أبو بكر أبو زيد فاستشكل عبارة “قدّس الله سرّه”، لا من جهة أصل الدعاء، وإنما من جهة اللفظ، لما قد يحمله – في تقديره – من حمولة اصطلاحية غير منضبطة، فاقترح بدلاً منها: “قدّس الله روحه”. هذا في ظاهره تحريرٌ لغوي، لكنه في عمقه يطرح سؤالًا أكبر: هل نحن أمام تهذيب للعبارة، أم إعادة توجيه للقبول والرفض بحسب السياق والجهة؟‬

‫ذلك أن كتب التراث الحنبلي، بل والسلفي المعاصر، لم تخلُ من هذه الألفاظ، بل زخرت بها عند ذكر الأئمة؛ فنجد الإمام محمد بن أحمد السفاريني يكثر من قول “قدّس الله روحه” و*“نوّر ضريحه”* في حق ابن تيمية، كما استعملها عبد العزيز بن باز نفسه في مؤلفاته. فهل كان هؤلاء جميعًا واقعين في محذور لفظي؟ أم أن اللفظ – حين صدر منهم – لم يُقرأ بعين الريبة التي قُرئ بها لاحقًا؟‬

‫إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في “السر” أو “الروح”، بل في الانتقائية في الحساسية. فحين يُستعمل اللفظ في حق العلماء يُحمل على الدعاء والتوقير، وحين يُستعمل في سياق آخر – خاصة إذا تعلق بآل البيت – يُستدعى له قاموس التحذير والتشديد. وهنا يتحول النقاش من علمي إلى نفسي، ومن لغوي إلى مذهبي.‬

‫إن القول بـ*“قدّس الله روحه”* أو “نوّر ضريحه” هو في حقيقته دعاء محض، لا يتجاوز طلب الرحمة والتطهير ورفعة المنزلة، وهي معانٍ قرآنية أصيلة. فإذا جاز هذا في حق من هم دون آل البيت منزلةً وقرابةً، فإن من العدل العلمي أن يُقال: إن آل بيت النبي صلوات الله عليه وآله أولى بهذا الدعاء، وأحق بهذا التوقير، لا أن يُضيّق عليهم فيه.‬

‫وليس من المنهج الرشيد أن نُقرّ أصل المعنى ثم نُفرغه من أثره بتضييق ألفاظه، ولا أن نُجيز اللفظ في موضع ونمنعه في موضع آخر دون معيار ثابت. فإن كان اللفظ صحيح المعنى، سالمًا من المحذور العقدي، فهو جائز حيثما استُعمل. وإن كان غير ذلك، فينبغي منعه عن الجميع، لا تخصيصه دون آخر.‬

‫إن تحرير الألفاظ مطلوب، لكن تحرير القلوب من الانتقائية أولى.‬

‫وإنصاف آل البيت في الخطاب ليس ترفًا، بل هو جزء من صيانة ميزان الأمة.‬

‫وفي الختام، نقول:‬

‫ليست القضية “سرًّا” أو “روحًا”، بل ميزانًا واحدًا أو ميزانين؛ فإن اتحد الميزان استقام العلم، وإن تعدد اضطربت الأحكام، وضاع الفضل بين سطور الاحتراز‬.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *