حين يكون البلاغ رحمةً لا أذى: قراءة قرآنية في حديثٍ أُسيءَ فهمه

 بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

ليس كل إشكالٍ في النصوص إشكالًا في ذاتها، بل كثيرًا ما يكون الخلل في زاوية النظر، حين يُنزَع النص من ميزانه القرآني، فيُقرأ منفصلًا عن الأصل الذي يُحكمه، والقرآن حين رسم صورة النبي صلوات الله عليه وآله لم يتركها مجالًا للاجتهاد المتناقض، بل حسمها بوصفٍ جامع مانع: {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين}، ثم خصّ المؤمنين بمزيد بيان فقال: {بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم}، وجعل هذا الخلق العظيم حقيقةً راسخة لا تتبدل بقوله: {وإنك لعلى خلقٍ عظيم}، فهذه الآيات ليست مدحًا عابرًا، بل تقرير لحقيقة الرسالة نفسها، وأنها قائمة على الرحمة في أصلها، وفي طريقها، وفي مآلها.

ومن هنا يتبيّن أن أي فهمٍ لنصٍ يُفضي إلى نسبة الأذى الظالم إلى النبي صلوات الله عليه وآله هو فهمٌ باطل من أساسه، لأنه يصادم نصًا قرآنيًا محكمًا، لا يقبل التأويل ولا التخصيص، وهنا وقع الخلل في قراءة الحديث الذي جاء فيه: “فأيّما مؤمن آذيتُه أو سببتُه أو جلدتُه…”، فحُمل على أنه إقرار بوقوع أذى، ثم طُلب تحويل هذا الأذى إلى أجر، وهذا الفهم هو الذي أوجد التعارض، لا الحديث نفسه، لأن النص لم يأت بصيغة التقرير، بل بصيغة البلاغ العام المشروط، وفرقٌ عظيم بين من يقول: “فعلتُ” ومن يقول: “فأيّما…”.

فالحديث ليس رواية واقعة، ولا اعتذارًا عن سلوك، بل هو إنشاء قاعدة رحمةٍ عامة للأمة، يدخل فيها كل مؤمن على أي حال، وفي أي تقدير، فالنبي صلوات الله عليه وآله لا يقرّ بوقوع أذى، ولا يطلب إباحته، بل يعلن مبدأً عقديًا عميقًا: أن العلاقة به لا يمكن أن تنتهي إلى ضررٍ على مؤمن، لا في ظاهرٍ ولا في مآل، بل إن كل ما قد يمرّ به المؤمن في طريق الرسالة، حتى ما قد يشعر به من مشقةٍ أو ثقل، فإنه لا يضيع عند الله، بل يُرفع إلى مقام الأجر والقربة.

وهذا المعنى لا يُفهم إلا إذا أُعيد الحديث إلى سياق البلاغ، فالرسالة ليست مجاملة للنفوس، بل هداية لها، والهداية بطبيعتها تُواجه الهوى، وتكسر العادة، وتُحمّل الإنسان مسؤولية التغيير، وقد عبّر القرآن عن هذا البعد حين قال: {لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم}، فالعنت الذي يلقاه المؤمن في مجاهدة نفسه ليس خارجًا عن رحمة النبي، بل هو داخل في حرصه عليه، لأنه طريق النجاة، كما قال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}، فجعل الصبر على مشقة الطريق بابًا للأجر العظيم.

وعلى هذا يكون معنى الحديث في ضوء القرآن: أن كل ما لقيه المؤمن في مسيره مع النبي صلوات الله عليه وآله من صبرٍ على التكاليف، أو ثقلٍ في تلقي الحق، أو ألمٍ في مفارقة العادة، فإن هذا كله لا يذهب سدى، بل يجعله الله كفارةً وقربة، وهذا هو عين الرحمة، لا نقيضها، لأن الرحمة في التصور القرآني ليست دائمًا لِينًا، بل هي هداية تُفضي إلى النجاة، ولو مرّت بطريقٍ فيه مجاهدة.

أما قوله: “وإني قد اتخذت عندك عهدًا لن تُخلفنيه” فليس إنشاء إلزامٍ على الله، بل تعبير عن يقينٍ بوعده، كما قال سبحانه: {إن الله لا يخلف الميعاد}، فهو توسل بوعد الله، لا استحقاق عليه، وإعلان أن المؤمن في هذا الطريق محفوظ الحق، لا يضيع له تعب، ولا يُترك له أثر مشقة بلا جبر.

وبذلك تنتظم المعاني كلها في نسق واحد: النبي الذي عُرف قبل البعثة بالصادق الأمين، هو بعد البعثة رحمةٌ مهداة، لم يتغير جوهره، بل اتسع أثره، فصار طريقه طريق تربيةٍ وتزكية، فيه صبرٌ ومجاهدة، لكنه كله داخل في دائرة الرحمة، حتى إن ما قد يُشعر به المؤمن من ثقلٍ في هذا الطريق لا يُترك أثرًا سلبيًا، بل يُحوَّل إلى أجر، فيتحقق الوصف القرآني في أعمق صوره: رحمةٌ في الفعل، ورحمةٌ في الأثر، ورحمةٌ في المآل.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *