حين تُفرَّغ الأخوّة من معناها: تفكيك خطاب استبدال الهوية باسم الإنجاز!!!‬

‫بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني‬

‫رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية‬

‫ليس ما طُرح في مقال نديم قطيش قراءةً لتحولٍ طبيعي في العلاقات الدولية، بل محاولة واعية لإعادة تعريف “الهوية” بحيث تصبح قابلة للاستبدال مع كل تحالف جديد، وكأن الأمة تُعيد تعريف نفسها كلما غيّرت شركاءها. فالمقال لا يناقش نجاح نموذج أو فشل آخر، بل ينطلق من افتراض أخطر: أن المشكلة في الجذور نفسها، وأن الدين واللغة والتاريخ لم تعد تصلح كأساس للانتماء، وأن البديل هو “هوية إنجازية” تُبنى على المصالح والنجاحات المشتركة. وهذه ليست نتيجة تحليل، بل قفزة فكرية تُحوّل أزمة الواقع إلى تهمة ضد الهوية.‬

‫إن الخلل هنا ليس في الدعوة إلى التعاون مع دول متقدمة، فذلك من بديهيات السياسة، وإنما في تحويل هذا التعاون إلى إعلان فلسفي بأن الأخوّة لم تعد رابطة حضارية، بل خيارًا إراديًا مفتوحًا. فالأخوّة في الوعي العربي لم تكن يومًا مجاملة دبلوماسية، بل تعبيرًا عن عمق مشترك في الدين واللغة والذاكرة، وحين يُعاد تعريفها لتصبح مجرد شراكة مصلحية ناجحة، فإننا لا نطوّر المفهوم، بل نفرغه من مضمونه. لأن المصالح بطبيعتها متغيرة، بينما الأخوّة في أصلها معنى يتجاوز الظرف إلى الامتداد.‬

‫ومن هنا، فإن إدخال دول لا تشترك في أي من محددات الهوية ضمن دائرة “الأخوّة” ليس مجرد توسع في العلاقات، بل تأسيس لتعريف جديد للانتماء نفسه: تعريف يجعل “نحن” ليست ما نرثه ونبنيه، بل ما نختاره وفق معيار المنفعة. وهذا التحول—مهما بدا جذابًا في ظاهره—يفتح الباب لتسييل الهوية، بحيث تصبح قابلة لإعادة الصياغة مع كل تحوّل سياسي، وهو ما يفقدها وظيفتها الأساسية كمرجعية ثابتة تضبط الاتجاه.‬

‫ثم يأتي الاستشهاد بالنموذج الكوري بوصفه دليلًا على صحة هذا المسار، وهو استشهاد مضلل في جوهره؛ لأن كوريا الجنوبية لم تنهض عبر القطيعة مع هويتها، بل عبر تعميقها وتفعيل عناصرها الثقافية والاجتماعية في مشروع تنموي صارم. لم تستبدل لغتها ولا ذاكرتها، ولم تُعرّف نفسها عبر شركائها، بل عبر ذاتها. ومن هنا فإن استخدام تجربتها لتبرير استبدال الهوية العربية ليس قراءة للنموذج، بل إسقاط عليه.‬

‫والأخطر من ذلك أن المقال يخلط بين مستويين مختلفين تمامًا: مستوى السياسة ومستوى الهوية. فالتحالفات تتبدل وفق المصالح، وهذا أمر طبيعي، لكن الهوية ليست بيانًا سياسيًا يُعدَّل مع كل ظرف، بل هي تراكم تاريخي وثقافي لا يمكن فصله عن الذات دون أن تُصاب هذه الذات بالتفكك. ومن يحاول أن يجعل من القرار السياسي مرآة لتعريف الهوية، ينتهي إلى تمييع الاثنين معًا: سياسة بلا ثوابت، وهوية بلا معنى.‬

‫إن ما يُقدَّم اليوم على أنه تحرر من “عبء الهوية” هو في حقيقته انعكاس لتحولات سياسية تبحث عن غطاء فكري يبررها. فبدل أن تُناقش الخيارات والسياسات في بؤر الصراع، يُنقل النقاش إلى مستوى أعلى: هل هويتنا أصلًا صالحة؟ وهنا تتم أخطر عملية إزاحة: تُرفع المساءلة عن الفعل، وتُلقى على التاريخ. وكأن المطلوب ليس تصحيح المسار، بل إعادة تعريف نقطة الانطلاق.‬

‫وبهذا المعنى، فإن القضية ليست في اختيار شريك هنا أو هناك، بل في المعادلة التي يُراد تثبيتها: أن الأخوّة لم تعد تُبنى على الجذور، بل على النتائج، وأن الانتماء لم يعد إطارًا ثابتًا، بل خيارًا قابلًا للتبديل. وإذا استقر هذا المفهوم، فإن كل علاقة سياسية ناجحة يمكن أن تُلبس هذا الوصف، وكل اختلاف حضاري يمكن تجاوزه لغويًا، فنكون قد فقدنا المفهوم دون أن نشعر.‬

‫إن الأمم لا تنهض بنفي ذاكرتها، ولا تتقدم بقطع جذورها، بل بإصلاح واقعها وهي ثابتة على أصلها. ومن يظن أن الطريق إلى المستقبل يمر عبر استبدال الهوية، كمن يهدم الأساس ليعيد طلاء الجدران. فالمشكلة لم تكن يومًا في القبلة ولا في اللغة ولا في التاريخ، بل في كيفية إدارة هذه العناصر في واقع متغير. أما تحويلها إلى متهم رئيسي، فليس حلًا، بل هروب من مواجهة السؤال الحقيقي.‬

‫وفي النهاية، فإن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يصادم الهوية مباشرة، بل يعيد تعريفها بهدوء حتى تفقد معناها من الداخل. وهذه هي أخطر مراحل التحول: حين لا يُطلب منك أن تتخلى عن نفسك، بل أن تعيد تعريفها حتى لا تعود هي نفسها. ومن هنا يبدأ الفقد الحقيقي، لا في السياسة، بل في الوعي.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *