المرأة التي جميع ردودها من القرآن بآيات قرآنية. دكتور/ شريف الجندي

كتب دكتور/ شريف الجندي 

خرج عبد الله بن المبارك قاصدًا أداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، مقرونًا بنيّة زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أثناء سيره في بعض الطريق لمح شيئًا أسودَ على الطريق، فاقترب منه وتبيّن حقيقته، فإذا به امرأة عجوز قد اكتست بدرع من صوف، وتغطّت بخمار من صوف كذلك، فسلّم عليها بقوله: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فأجابته بقول الله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾.

فسألها متعجبًا ومستفهمًا عن حالها: رحمك الله، ما الذي تفعلينه في هذا الموضع الموحش؟ فأجابته بقول الله عز وجل: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾، فعلم من جوابها أنها تائهة عن الطريق وضالة عنه، فسألها مرة أخرى: إلى أين تقصدين وجهتك؟ فأجابت بقول الله سبحانه: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، ففهم من إشارتها أنها قد أدّت مناسك الحج، وأنها تقصد التوجه إلى بيت المقدس.

ثم سألها عن المدة التي أقامتها في هذا المكان، فقالت: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾، فاستدلّ بذلك على أنها تمكث منذ ثلاث ليالٍ كاملة، فسألها مستغربًا: لا أرى معك طعامًا تتقوّتين به، فكيف تعيشين؟ فقالت: ﴿هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، فأدرك أنها متوكلة على الله في رزقها وطعامها وشرابها.

ثم سألها عن كيفية طهارتها للعبادة في مثل هذا الموضع، فقالت: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾، فأبانت له أنها تتيمم عند فقدان الماء، فقال لها: إن معي طعامًا، فهل ترغبين في الأكل منه؟ فأجابت بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فأفهمته أنها صائمة، فقال لها موضحًا: ليس هذا من أيام شهر رمضان، فقالت: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، فبيّنت له أنها تصوم تطوعًا.

فقال لها: قد أُبيح لنا الإفطار في السفر، فأجابته بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ثم سألها: لِمَ لا تخاطبينني بكلام مفهوم كما أخاطبك؟ فقالت: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، مشيرةً إلى تحرّزها الشديد في كلامها، وأنها لا تنطق إلا بما هو محفوظ من كتاب الله.

ثم سألها عن أصلها ومن أي قوم هي، فقالت: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾، ففهم أنه أخطأ بسؤاله عمّا لا يعنيه، فاعتذر إليها قائلًا: قد أخطأت، فاجعليني في حلّ، فقالت: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فعفا الله عنه بلسانها.

ثم عرض عليها أن يحملها على ناقته لتدرك القافلة، فقالت: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، فأنخ ناقته لتصعد، فقالت له: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾، فغضّ بصره عنها امتثالًا، وقال لها: اركبي، فلما همّت بالركوب نفرت الناقة فتمزّقت ثيابها، فقالت: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، فأظهر ذلك رضاها بالقضاء.

فقال لها: اصبري حتى أعقلها وأشدّها، فقالت: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾، فعقل الناقة وأحكم أمرها، ثم قال لها: اركبي، فلما استقرّت على ظهرها قالت: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ۝ وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.

ثم أخذ يقود الناقة مسرعًا وهو يصيح، فقالت له: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، فخفّف من سرعته وخفض صوته، وأخذ يسير برفق، ثم أخذ ينشد بعض الشعر، فقالت: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، فترك الشعر وأقبل على تلاوة القرآن.

فقال لها معجبًا: لقد أُوتيت خيرًا كثيرًا، فقالت: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ﴾، ثم سألها بعد مسير: ألك زوج؟ فقالت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، فسكت ولم يعاود السؤال.

حتى بلغ بها القافلة، فقال لها: هذه القافلة، فمن لك فيها؟ فقالت: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾، فعلم أن لها أولادًا، فسأل عن حالهم، فقالت: ﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، فعلم أنهم أدلاء القافلة.

ثم قصد بها مواضع الخيام والقباب، وقال: هذه القباب، فمن لك فيها؟ فقالت: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾، ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾، فنادى بأسماء: يا إبراهيم، يا موسى، يا يحيى، فإذا بشبّانٍ كأنهم الأقمار قد أقبلوا مسرعين.

فلما جلسوا واستقروا، قالت: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾، فذهب أحدهم واشترى طعامًا، فلما قُدِّم الطعام بين أيديهم قالت: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ﴾.

فقال عبد الله: الآن أصبح طعامكم عليّ حرامًا حتى تخبروني بأمر هذه المرأة، فقالوا: هذه أمّنا، ولم تتكلم منذ أربعين سنة إلا بكلام القرآن الكريم، خشية أن تزلّ كلمة من لسانها فيسخط عليها الرحمن، فتعجّب وقال: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.

المصدر:📚

كتاب المستطرف في كل فن مستظرف صـ 68.📖

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *