عدوي التصفيق أو شركات بيع التصفيق . دكتور/ شريف الجندي

كتب دكتور/ شريف الجندي 

شركات بيع التصفيق

د . جمال الشاعر

🌷⭕️🌷⭕️🌷⭕️

تلقيت دعوة من التليفزيون الفرنسي لحضور تسجيل حلقة من برنامج شهير اسمه مدرسة الهواة .. كان ذلك في نهاية ” الألفية الماضية ” .. اندهشت من فخامة المسرح والتجهيزات الفنية والتكنولوجية..

ولكن دهشتي الكبري كانت عندما ظهر مساعد المخرج علي خشبة المسرح قبل بداية البرنامج و بدأ يشرح لنا مايجب علينا فعله كجمهور

مثلا كيف يكون رد فعلنا على حوارات المذيع مع الأطفال الموهوبين و أهاليهم ثم أشار الي لمبة حمراء كبيرة فوق المسرح وقال .. عندما تضيء هذه اللمبة صفقوا بحرارة .. .. ثم بدأ تصوير البرنامج .. واشتعلت القاعة بالتصفيق عشرات المرات في نصف ساعة.. فهمت يومها أن ما نظنه إعجابا تلقائيا .. ليس إلا سيناريو متفق عليه و مصنوع سلفا .. واصلت بعدها قراءاتي حول ظاهرة صناعة التصفيق

.. فوجدت أن فرنسا وحدها فيها 

١٨٢٠ شركة لبيع التصفيق .. وعلمت أن وظيفتها الحقيقية هي تحويل الإعجاب والتأييد إلى سلعة تُشترى بدل أن تكون نتيجة طبيعية للجودة أو الحقيقة .. و لقد تفشت هذه الظاهرة مؤخراً في زمن الرقمنة من خلال بيع المتابعين الوهميين أو بيع اللايكات وتعليقات الإعجاب .. وصولا إلى بيع ” التريند” .. تابع منصات التيك توك وإنستغرام وفيسبوك ويوتيوب وتويتر وغيرها.. التصفيق أصبح آلية مهمة جدا في مجالات الاقتصاد والسياسة و صناعة الوعي .. و قد عبر وليم شكسبير قديما عن ذلك في مسرحية يوليوس قيصر .. في المشهد الأكثر دلالة على ديماغوجية الساسة في تاريخ المسرح: إثر مقتل قيصر، يقوم سجال خطابي بين بروتوس وأنطونيوس أمام الجمهور. كل منهما يحاول أن يقنع هذا الجمهور بصواب رأيه: بروتوس بضرورة قتل القيصر، وأنطونيوس يشجب تلك الجريمة. فهنا نجد أنفسنا أمام منطقين وخطابين شديدي الذكاء.. أما الجمهور، فإنه يستخدم التصفيق مع الهتاف ليعبر عن رد فعله. والمهم في الأمر أن هذا التصفيق هو ما كان يسعى كل من الخطيبين إلى اجتذابه؛ لأنه في تلك اللحظة كان يعني موقفاً سياسياً محملاً بالدلالات ..

عموما ظاهرة التصفيق المأجور تلك موجودة بدرجات متفاوتة في كل المجالات وصولا إلى دور الأوبرا الشهيرة في العالم .. سؤال.. كيف نفرق بين التصفيق الطبيعي والتصفيق المستأجر ؟ العرب قالوا في سالف الدهر .. النائحة المستأجرة ليست كالنائحة الثكلى صاحبة المصيبة الحقيقية … هناك فارق كبير جدا بين المشاعر الصادقة وبين التصنع .. وعندنا في الماضي .. مهنة تسمي المعددة” أو “الندابة” هي مهنة تراثية قديمة، اشتهرت في صعيد مصر وبعض المناطق الريفية، تقوم فيها امرأة متخصصة بالنوح والبكاء وذكر محاسن الميت بصوت شجي (العديد) في الجنازات مقابل أجر مادي. و يمثل “العديد” طقساً جنائزياً غنائياً لتعظيم الفقيد .. الشاهد من كل ماسبق .. هل يمكنك حماية نفسك من هذه الألاعيب ؟ .. للأسف الشديد صعب جدا .. لأن “التصفيق المصطنع” لا يخدع فقط الجمهور .. بل قد يخدع صاحبه أيضًا .. الفكرة هنا ليست أن تشكّ في كل شيء .. ولكن في أن تبني مناعة معرفية تمنعك من الانجراف .. كأن تدخل إلى قاعة فيها ألابندا صاخبة ثم تتساءل مثلي .. أصفق أولا أصفق .. فكل الرؤوس تصفق .. وجاري يصفق .. وأسأل هل أعجبته الرواية .. فيلكز جنبي .. و يمضي يصفق .. ثم تصل في النهاية إلى أن تقول .. مسا الخير يا سادتي الجالسين.. أصفق أولا أصفق ..و لو بعد بيتين أمضي .. فمن منكم لن يصفق؟ .. أصفق من أجل ذاك الذي لا يصفق

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *