حين يخالف القمرُ التقويم: من سماء London إلى ذاكرة Jeddah وولادة سؤال الزمن
بقلم الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
في ليلة الأول من مايو، وبينما كنت أتأمل السماء في لندن، استوقفني القمر لا بجماله هذه المرة، بل بحجته. كان بدرًا كاملًا، واضحًا، مستديرًا، لا يحتاج إلى شاهد، ولا إلى مرصد، ولا إلى لجنة ترقب، ولا إلى خبرة فلكي، بل يكفي أن يرفع الإنسان رأسه قليلًا ليدرك أن القمر قد بلغ تمام نوره، وأن دورته الشهرية قد بلغت منتصفها. وفي اللحظة نفسها كان هاتفي يخبرني أن التاريخ هو الأول من مايو؛ بداية شهر جديد. هنا لم يكن السؤال سؤال سائح في مدينة غربية، ولا سؤال متأمل في منظر سماوي، بل كان سؤالًا يمس جوهر علاقة الإنسان بالزمن: كيف يكون القمر أمام عيني في منتصف دورته، بينما يخبرني التاريخ المكتوب أنني في بداية الشهر؟ وهل الزمن الذي تراه العين أصدق، أم الزمن الذي تقرؤه الشاشة؟ وهل الخطأ في السماء، أم في طريقة الإنسان الحديثة في قراءة الوقت؟
كلما تأملت هذا المشهد أدركت أن الإشكال ليس في القمر، ولا في مايو، ولا في لندن، ولا في جدة، بل في أن الإنسان المعاصر يعيش زمنين في اللحظة نفسها دون أن يشعر؛ زمنًا تكتبه السماء، وزمنًا تكتبه الحضارة. القمر الذي كان فوق لندن تلك الليلة لم يكن يعرف أنه الأول من مايو، كما أنه لا يعرف يناير ولا ديسمبر، ولا أسماء الشهور التي وضعتها الإمبراطوريات والكنائس والدول، ولا يكترث بما تكتبه التطبيقات الإلكترونية على شاشات الهواتف. القمر يسير في قانون أقدم من جميع الحضارات، دورة كونية ثابتة تدور حول الأرض كل تسعة وعشرين يومًا ونصف تقريبًا، يبدأ فيها من ظلمة المحاق، ثم يولد هلالًا، ثم يكبر قليلًا بعد قليل، حتى يبلغ تمامه بدرًا، ثم يبدأ رحلة النقصان حتى يعود كما بدأ. إنه لا يقرأ ما نكتب، بل نحن الذين كان يفترض أن نقرأ ما يكتب.
وفي المقابل، فإن اليوم الأول من مايو ليس حدثًا كونيًا في السماء، بل حدث إداري في الأرض؛ صفحة جديدة في تقويم شمسي وضعه الإنسان لتنظيم حياته المدنية، ليضبط المواسم، والضرائب، والسفن، والجيوش، والجامعات، والمطارات، والمواعيد. إنه تقويم إداري ، لكنه لا ينظر إلى القمر أصلًا. وهنا ظهر لي أن المشكلة ليست في اختلاف التاريخين، بل في أننا نخلط بين نوعين من الزمن؛ زمن منظور، وزمن مكتوب. الزمن المنظور هو الذي تراه العين مباشرة دون وسيط، ترفع رأسك إلى السماء فتدرك أين أنت من الشهر، ترى الهلال فتعرف أن الدورة بدأت، وترى البدر فتعرف أنك بلغت منتصفها، وترى الفجر فيولد يومك، وترى الغروب فينتهي نهارك. هذا الزمن لا يحتاج إلى كهرباء، ولا إلى شبكة اتصال، ولا إلى شاشة مضيئة، ولا إلى لغة مشتركة، لأنه مكتوب بلغة الخلق نفسها . أما الزمن المكتوب فهو زمن الاتفاق البشري، زمن الورق، والسجلات، والساعات، والتطبيقات، والأنظمة، وهو زمن نافع، بل لا تقوم الحضارات الحديثة بدونه، لكنه ليس هو الذي ينشئ الظاهرة، بل يصفها فقط.
ومن هنا قفز إلى ذهني سؤال أعمق من السؤال الأول: إذا كان البدر هو أوضح أطوار القمر، تراه البشرية كلها في وقت واحد تقريبًا، ولا تكاد تخطئه عين، فلماذا لم يبدأ الإنسان الشهر من البدر بدل الهلال؟ لماذا اختارت البشرية الهلال، وهو أضعف ظهورًا، وأدق مشاهدة، وأكثر عرضة لاختلاف الأبصار والآفاق؟ ولماذا لم تجعل اليوم الذي لا تخطئه العين هو اليوم الأول من الشهر؟ وكلما توغلت في هذا السؤال أدركت أن الإنسان منذ أن بدأ يعد الزمن لم يكن يبحث عن أوضح العلامات، بل عن أول العلامات. فالطفل يُحسب عمره من لحظة ولادته، لا من يوم اكتمال شبابه. والزراعة تبدأ من البذر، لا من الحصاد. والنهار يبدأ من الفجر، لا من الظهيرة. والسفر يبدأ من أول خطوة، لا من منتصف الطريق. وكذلك الشهر القمري يبدأ من ميلاد الضوء، لا من اكتمال الضوء. ولذلك انتصر الهلال على البدر، لا لأنه أوضح، بل لأنه أسبق. الهلال هو أول الخبر، أما البدر فهو تمام الخبر. الهلال إعلان البداية، أما البدر فهو إعلان النضج.
وهنا انكشفت لي حكمة أعمق في علاقة الإنسان الأول بالسماء. العربي في الحجاز، والراعي في البادية، والبحّار في البحر الأحمر، والمسافر في طرق القوافل، لم يكن يعيش داخل زمن مكتوب، بل داخل زمن منظور. كان ينظر إلى القمر فيعرف أين هو من الشهر، وينظر إلى النجوم فيعرف أين هو من الطريق، وينظر إلى الفجر فيعرف أين هو من اليوم، وينظر إلى الظل فيعرف أين هو من الشمس. لم تكن السماء بالنسبة إليه زينة فقط ، بل كتابًا مفتوحًا، وساعة معلقة، وتقويمًا حيًا. ولذلك لم يكن من المصادفة أن يلفت القرآن النظر إلى هذه الحقيقة حين قال: «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم». لم يقدمه بوصفه جرمًا جميلًا فحسب، بل بوصفه نظامًا للحساب، وميزانًا للوقت، وآية يمكن أن يقرأها الأمي كما يقرأها العالم.
ومن هنا يمكن الجزم أن الزمن المنظور هو الأصل في كل عبادة عُلقت بعلامة كونية مرئية؛ فالهلال لا يولد لأن الصفحة تغيرت، بل لأن السماء أعلنت ميلاده، والفجر لا يدخل لأن الساعة قالت الخامسة، بل لأن الضوء شق الأفق، والكسوف لا يبدأ لأن التقويم أشار إليه، بل لأن الكون أظهره. أما الزمن المكتوب، مهما بلغ من الدقة، فإنه يبقى خادمًا للوقت لا صانعًا له، وشارحًا للظاهرة لا منشئًا لها. إنه يحفظ الزمن، لكنه لا يخلقه. ولذلك ليس بين القمر والتقويم خصومة، بل بين الإنسان الحديث وعينه شيء من القطيعة. لقد نقلتنا الحضارة من قراءة السماء إلى قراءة الشاشة، حتى أصبح الإنسان يعرف أن اليوم هو الأول من مايو، لكنه قد لا يعرف إن كان القمر فوقه هلالًا أو بدرًا أو محاقًا.
وفي تلك الليلة اللندنية، وأنا أنظر إلى البدر الذي كنت أراه كأنني في جدة، أدركت أن الذي تغيّر ليس القمر، بل الإنسان. القمر ما زال يتحرك بالقانون نفسه الذي عرفه أهل مكة قبل آلاف السنين، وما زالت السماء تكتب الرسالة نفسها كل ليلة، لكن قليلًا من البشر ما زال يرفع رأسه ليقرأ.
