حين نطقت محكمة جدة… سقطت رواية المستشرق
✍️ الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
من أخطر ما يقع فيه بعض الباحثين المعاصرين أنهم يتعاملون مع كتابات الرحالة الأوروبيين في القرن التاسع عشر وكأنها نصوص مقدسة لا يأتيها الباطل، فإذا كتب مستشرق أو دبلوماسي أوروبي حادثةً في الحجاز أو مكة أو المدينة، تلقفها البعض بوصفها “شهادة محايدة”، دون أن يسألوا السؤال العلمي الأول: هل توجد وثيقة محلية معاصرة للحدث؟ لأن المنهج التاريخي الرصين لا يبدأ من انطباعات المسافرين، وإنما يبدأ من الوثيقة الأصلية، من سجل المحكمة، ومن الصك الرسمي، ومن الورقة التي كُتبت ساعة وقوع الحدث لا بعده بسنوات في صالونات السياسة الأوروبية.
ومن هنا تعود حادثة اغتيال الحسين بن محمد بن عبد المعين شريف مكة، تلك الحادثة التي تناولها Wilfrid Scawen Blunt في كتاباته المنشورة سنة 1884م، بعد أربع سنوات من الواقعة، بأسلوب درامي مشبع بالإثارة السياسية، يصور فيه الشريف داخل موكبه المهيب في جدة، ثم يظهر “الدرويش العجوز” المتخفي بين الجموع ليطعن الشريف، ثم ينطلق الكاتب بعد ذلك في بناء رواية كاملة عن الغضب الشعبي، والتنكيـل بالقاتل، وغموض التحقيق، ثم لا يلبث أن يوجه أصابع الاتهام نحو إسطنبول، بل يلمح إلى دور عبد الحميد الثاني نفسه، وكأن القارئ أمام فصل من رواية سياسية لا أمام تحقيق تاريخي موثق.
لكن التاريخ لا يُكتب بالانطباع… بل بالوثيقة.
واليوم، وبعد ظهور صك محكمة جدة الشرعية الخاص بمحاكمة الدرويش قاتل الشريف، أصبحت الصورة مختلفة تمامًا، بل إن كثيرًا مما كتبه بلنت لا يصمد أمام ورقة واحدة مختومة بختم القضاء. فالوثيقة تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن القاتل لم يُقتل في الشارع، ولم يُصفَّ تحت ضرب العامة، ولم يتحول إلى ضحية انتقام غوغائي كما حاولت الرواية الأوروبية أن توحي، وإنما أُمسك به حيًا، وأُحيل إلى القضاء المختص في جدة، ومَثُل أمام المحكمة الشرعية، وخضع لإجراءات المحاكمة وفق أحكام الشريعة الإسلامية.
وهنا تسقط أولى ترهات الرواية الاستشراقية.
ثم تأتي الحقيقة الثانية الأكثر أهمية: لم تشهد جدة بعد الحادثة أعمال انتقام جماعي، ولم يُعتدَ على المجاورين من أبناء بلد القاتل، ولم تُداهم مساكنهم، ولم تُغلق زواياهم أو تكاياهم، ولم تصدر أوامر بترحيلهم بسبب جنسيتهم أو انتمائهم، رغم ضخامة الحدث ومكانة المقتول. لقد فُصل بين الجاني وبين غيره، وحُمّل وحده مسؤولية فعله، تطبيقًا صريحًا لقاعدة القرآن الكريم: “ولا تزر وازرة وزر أخرى”. وهذه الحقيقة وحدها تكشف مقدار الرقي القضائي والاجتماعي الذي كانت تعيشه الحواضر الحجازية في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، حين كانت مدن الحرمين تستقبل شعوبًا من شتى الأمم ومع ذلك لم تتحول الجريمة الفردية إلى فتنة عرقية أو مذهبية.
أما الأخطر في رواية بلنت فهو محاولته جرّ الحادثة إلى مربع المؤامرة الإمبراطورية، وتصوير القاتل على أنه أداة في يد القصر العثماني، دون أن يقدم وثيقة واحدة، أو محضر استجواب، أو شهادة قضائية، أو اعترافًا رسميًا. وكل ما ساقه لم يكن أكثر من “قيل” و”سمعت” و”يعتقد البعض”، وهي عبارات يعرف المؤرخون أنها تسقط علميًا أمام أي وثيقة أصلية معاصرة. بل إن قراءة الصك القضائي، مع تتبع سلوك القاتل قبل الحادثة، ترجح أنه لم يكن رجل دولة، ولا مبعوث استخبارات، وإنما رجل دخل متخفيًا في هيئة درويش، يتحرك بدافع شخصي، ويرجح أنه يحمل قضية ثأر خاصة مرتبطة بوفاة أخيه في حبس الوالي العثماني، فاتخذ من هيئة الفقر والدروشة ستارًا للوصول إلى هدفه، وهي صورة مألوفة في مجتمعات القرن التاسع عشر أكثر من صورة “العميل السري” التي حاولت الكتابات الأوروبية تسويقها.
وهنا يصبح السؤال الذي يجب أن يطرحه كل باحث منصف: من الذي يُصدّق؟ رجل بريطاني كان جزءًا من شبكة المصالح السياسية في الشرق، كتب روايته بعد سنوات، واعتمد على إشاعات المجالس… أم صك قضائي مكتوب ساعة الحدث، صادر عن محكمة جدة، وممهور بختم القضاء الشرعي؟
في علم التحقيق التاريخي، الجواب محسوم لا يحتاج إلى جدال: إذا تعارضت المذكرات السياسية مع الوثيقة القضائية، سقطت المذكرات وبقيت الوثيقة.
وعليه، فإن اغتيال شريف مكة لم يكن كما أراد بعض المستشرقين تصويره: لا مؤامرة سلطانية، ولا انتقام جماعي، ولا فوضى شارع، ولا تصفية خارج القانون… وإنما كانت جريمة فردية، أعقبها قبض مشروع، ثم محاكمة شرعية، ثم حكم قضائي، دون تحميل الأبرياء وزر الجاني.
وهكذا… لم تردَّ على الرواية الاستشراقية خطبة، ولا انفعال، ولا شعار… بل ردّت عليها محكمة جدة نفسها.
