سؤالُ فايز الشمري… وإجابةُ تركي الدخيل: هل صنعتِ الباديةُ المتنبي أم صنعته مدارسُ الكوفة العباسية؟

 ✍️ الشريف محمد بن علي الحسني

‎رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

حين طرح الأستاذ فايز الشمري سؤاله على معالي السفير تركي الدخيل حول سرِّ الثراء اللغوي عند المتنبي، وهل كان ذلك نتيجة أسفاره وتنقله بين الكوفة والشام ومصر، أم بسبب معاصرته لعصرٍ ازدهرت فيه اللغة والشعر والكتب والوراقة، بدا السؤال في ظاهره أدبيًا، لكنه في حقيقته يفتح بابًا أعمق يتعلق بكيف تُصنع العبقرية اللغوية في الحضارات الكبرى.

وقد جاءت إجابة تركي الدخيل ذكية ومتوازنة؛ لأنه لم يحصر المسألة في “الذكاء الفردي” وحده، بل أعاد المتنبي إلى بيئته الحضارية. فاستعرض العصر العباسي بوصفه عصر انفجار لغوي وثقافي غير مسبوق، عصر الجاحظ وابن قتيبة والمبرد وأبي تمام والبحتري وابن الرومي وأبي فراس وغيرهم، ثم أشار إلى أثر الوراقين والكتب وحركة التصنيف، وإلى خروج المتنبي صغيرًا إلى البادية، وما تركته البادية في نفسه من صفاء السليقة وقوة اللغة.

غير أن المسألة — في تقديري — أعمق من اختزالها في البادية وحدها أو في كثرة القراءة وحدها؛ فالرواة يحدثوننا أن المتنبي دُفع صغيرًا إلى مدرسة من مدارس العلويين بالكوفة، وكانت هذه المدارس العلوية مدارس أرستقراطية ممتازة، لا تُعنى بتعليم القراءة والكتابة فقط، بل بصناعة الوعي اللغوي والفكري منذ الطفولة. والمحقق أنه تعلم فيها الكتابة والقراءة، وقرأ القرآن كله أو بعضه، وتلقى أصول الدين وفروعه على مذهب الشيعة العلويين، وسمع الشعر وروى منه أطرافًا، وتعلم شيئًا من علوم اللغة والأدب والجدل والخطابة.

وهذا التفصيل بالغ الأهمية؛ لأن المتنبي لم يتشكل في بيئة شفوية بدوية فقط، بل في بيئة تعليمية واعية باللغة بوصفها مجدًا وهوية وسلطة رمزية. ولذلك لا يظهر أثر تلك المدرسة في كثرة المفردات وحدها، بل في نبرة المتنبي نفسها؛ تلك النبرة المملوءة بالكبرياء والإحساس بالتفوّق واليقين بالنفس.

وقد حفظ الديوان للمتنبي مقطوعات قالها وهو صبي يختلف إلى المكتب، مما يدل على أن تكوينه الأدبي بدأ مبكرًا جدًا، وأنه لم يكن مجرد حافظ للنصوص، بل متدربًا على صناعة العبارة منذ طفولته. وهنا نفهم لماذا كان شعره مختلفًا عن شعر غيره؛ فهو لم يكن ينظر إلى اللغة كأداة تعبير فحسب، بل كسلطان كامل.

ثم جاءت الكوفة نفسها لتكمل هذا البناء؛ والكوفة يومئذ ليست مدينة عادية، بل واحدة من أعظم المختبرات اللغوية والفكرية في التاريخ الإسلامي. ففيها النحاة والرواة والمتكلمون والشعراء والفقهاء والوراقون، وفيها اختلط لسان القبائل العربية بعلوم الحضارة العباسية، وكانت اللغة نفسها ميدان تنافس وهيبة وسلطة.

ثم خرج المتنبي إلى البادية في سن مبكرة، فجمع بين صفاء السليقة البدوية وعمق الثقافة الحضرية، وهذه الثنائية هي سر عبقريته الكبرى؛ فكثير من العلماء امتلكوا الثقافة بلا شعر، وكثير من الأعراب امتلكوا السليقة بلا مشروع فكري، أما المتنبي فقد جمع الاثنين معًا، وأضاف إليهما ذاكرة خارقة وطموحًا نفسيًا هائلًا وإحساسًا داخليًا بالاصطفاء.

ولعل قصة الأصمعي التي أوردها تركي الدخيل عن الخطيب البغدادي تكشف جانبًا مهمًا من هذه الشخصية؛ إذ لم تكن ذاكرة المتنبي ذاكرة حفظ ميكانيكي فقط، بل عقلًا يلتقط بنية اللغة دفعة واحدة، ولذلك كان قادرًا على استدعاء الألفاظ والتراكيب بطريقة مذهلة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا كثرت مفردات المتنبي؟ بل: كيف استطاع أن يجعل الكلمة تبدو كأنها خُلقت لأول مرة؟ إن السر لم يكن في الحفظ وحده، بل في قدرته على إعادة بعث اللفظة داخل القصيدة، وشحنها بطاقة نفسية وفكرية هائلة، حتى تصبح الكلمة عنده سهمًا أو برقًا أو قدرًا.

ومن هنا بقي المتنبي حيًا إلى اليوم؛ لأنه لم يكن مجرد شاعر يحسن النظم، بل كان صوت عصر كامل، ولسان حضارة بلغت ذروة ثقتها باللغة والعقل والبيان.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *