البروفيسور جينانغ: حين يتحدث المستشرف الصيني بلغة الحضارات لا بلغة السياسة

 الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

في عالمٍ يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، لم تعد قراءة المستقبل حكرًا على السياسيين أو مراكز الاستخبارات أو تقارير الاقتصاد التقليدية، بل ظهرت طبقة جديدة من “المستشرفين الحضاريين” الذين يحاولون فهم حركة التاريخ بوصفها صراعًا طويل النفس بين أنماط الحضارات الكبرى. ومن بين هذه الأصوات برز خطاب البروفيسور الصيني جينانغ، الذي انتشر بوصفه قراءة تتجاوز الحدث السياسي المباشر إلى محاولة تفسير ما يجري في العالم باعتباره انتقالًا تاريخيًا من عصر إلى عصر.

لم يكن جينانغ يتحدث بلغة الأخبار اليومية، ولا بلغة المحللين العسكريين التقليديين الذين يقيسون الصراع بعدد الطائرات والصواريخ، بل كان يتحدث بمنطق أعمق؛ منطق يرى أن الحروب الحديثة ليست مجرد مواجهات حدودية، بل عمليات إعادة تشكيل للنظام العالمي كله. ولهذا بدا خطابه أقرب إلى “رؤية حضارية” منه إلى تعليق سياسي عابر.

إن أكثر ما يلفت النظر في طريقة جينانغ أنه لا يتعامل مع الدول باعتبارها حكومات فقط، بل باعتبارها كائنات تاريخية لها أعمار وصعود وهبوط ومراحل إنهاك. فحين يتحدث عن أمريكا لا يراها مجرد دولة قوية، بل يراها مركز النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. وحين يتحدث عن الصين لا يراها مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل حضارة قديمة عادت لاستعادة موقعها بعد قرنين من الانكفاء. أما الخليج العربي فيراه قلب الاقتصاد العالمي الذي تتحرك من خلاله شرايين الطاقة والتجارة الدولية.

ومن هنا نفهم لماذا يربط جينانغ بين أي صراع في الخليج وبين مستقبل الاقتصاد العالمي كله. فالنفط بالنسبة له ليس مجرد وقود، بل جزء من بنية النظام الدولي الحديث. أي اضطراب واسع في المنطقة لا ينعكس على أسعار الوقود فقط، بل يمتد أثره إلى الصناعة، وسلاسل الإمداد، والتضخم، وأسواق المال، وحتى إلى مستقبل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الذي يحتاج إلى طاقة هائلة لتشغيل مراكزه العملاقة.

لكن الأهم في خطاب هذا المستشرف الصيني هو طريقته في فهم “الحرب الطويلة”. فهو يرى أن الحروب الكبرى في العصر الحديث لم تعد تهدف إلى الحسم السريع بقدر ما تهدف إلى إنهاك الخصوم واستنزافهم اقتصاديًا ونفسيًا وإعلاميًا. ولذلك فإن النموذج الأوكراني بالنسبة له ليس مجرد حرب إقليمية، بل مختبر عالمي لفكرة الاستنزاف الطويل، حيث تتحول الحرب إلى أداة لإضعاف البنية الاقتصادية والذهنية للدول قبل إضعاف جيوشها.

وهنا يظهر الفارق بين المدرسة الغربية والمدرسة الآسيوية في قراءة العالم. فالغرب الحديث – خاصة بعد الحرب الباردة – اعتاد التفكير بمنطق السرعة والقرارات السياسية الآنية والدورات الانتخابية القصيرة، بينما تميل المدرسة الصينية إلى التفكير بمنطق القرون والتراكم البطيء. الصين نفسها لم تصعد عبر الغزو العسكري، بل عبر الاقتصاد، والموانئ، والاستثمار، وربط العالم تجاريًا بمصالحها. ولهذا فإن العقل الصيني حين يقرأ المستقبل لا يركز فقط على المعركة، بل على ما بعد المعركة: من يملك القدرة على الصبر؟ ومن يملك القدرة على إعادة البناء؟ ومن يستطيع تحمّل الفوضى لفترة أطول؟

ولذلك فإن لغة جينانغ تبدو أحيانًا درامية أو صادمة؛ فهو يتحدث عن انهيارات محتملة، وتحولات كبرى، وتراجع الغرب، واستنزاف القوى التقليدية. لكن هذه اللغة ليست مجرد تهويل إعلامي، بل جزء من “حرب السرديات” التي أصبحت أحد أهم ميادين الصراع العالمي. فالقوى الكبرى اليوم لا تتنافس بالسلاح فقط، بل تتنافس على إقناع العالم بأن المستقبل يتحرك في اتجاهها.

وفي هذا السياق يمكن فهم لماذا يربط بعض المستشرفين الصينيين بين الاقتصاد والنفسية الجماعية والحضارة في آنٍ واحد. فهم يرون أن الإمبراطوريات لا تسقط فقط حين تخسر المعارك، بل حين تفقد ثقتها بنفسها، أو حين تتحول من مجتمعات منتجة إلى مجتمعات مستهلكة تعيش على أمجاد الماضي. ولذلك فإن الصراع في نظرهم ليس صراع حدود فقط، بل صراع قدرة حضارية على الاستمرار.

لكن القراءة الناضجة لمثل هذه الخطابات تستدعي الحذر أيضًا. فالتاريخ ليس معادلة رياضية، ولا توجد قوة تملك القدرة على التنبؤ المطلق. الإمبراطوريات الكبرى كثيرًا ما أعادت إنتاج نفسها رغم الأزمات، كما أن التحالفات والمصالح الاقتصادية قادرة على قلب الموازين بصورة مفاجئة. ولهذا فإن الخطأ الأكبر في قراءة المستقبل هو تحويل الاحتمالات إلى يقين.

ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لخطاب جينانغ تكمن في أنه يلفت الانتباه إلى تحوّل عميق يعيشه العالم فعلًا. فنحن نعيش زمنًا تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، والحرب بالإعلام، والطاقة بالتكنولوجيا، والوعي الجماهيري بالأمن القومي. لقد دخل العالم عصر “السيولة الجيوسياسية”، حيث لا توجد قوة مطلقة قادرة على التحكم الكامل بالمشهد، وحيث أصبح المستقبل مفتوحًا على احتمالات غير مسبوقة.

وفي قلب هذا التحول تقف منطقتنا العربية والخليجية أمام تحدٍّ تاريخي حقيقي. فالثروة وحدها لم تعد كافية، والاستقرار نفسه أصبح مشروعًا يحتاج إلى قوة معرفية وتقنية وثقافية تحميه. والدول التي ستنجو في القرن القادم ليست فقط الدول الأغنى أو الأقوى عسكريًا، بل الدول الأقدر على فهم التحولات والاستعداد لها قبل وقوعها.

ولهذا فإن السؤال العميق الذي يطرحه خطاب جينانغ ليس: من سيربح الحرب القادمة؟ بل: أي الحضارات ستكون أقدر على البقاء حين ينتهي هذا العصر المضطرب؟

إن العالم اليوم لا يعيش مجرد أزمة سياسية، بل يعيش أزمة معنى وتفسير واتجاه. كل قوة كبرى تحاول أن تكتب روايتها الخاصة للمستقبل؛ أمريكا ترى نفسها حامية النظام العالمي، والصين ترى نفسها وريثة الصعود الحضاري الآسيوي، وروسيا ترى نفسها قوة ترفض الاختفاء من التاريخ، بينما تقف الشعوب بين هذه السرديات تبحث عن مكانها في عالم يتغير بسرعة هائلة.

وربما لهذا السبب تبدو خطابات المستشرفين مؤثرة في هذا الزمن؛ لأنها لا تخاطب السياسة فقط، بل تخاطب القلق الإنساني العميق من مستقبل يشعر الجميع أنه يقترب من منعطف تاريخي كبير، دون أن يعرف أحد بدقة ماذا يوجد خلف ذلك المنعطف.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *