عرفات… حين يقف العالم في الموضع الذي وقف فيه النبي
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
ليست هناك لحظة في التاريخ الإنساني تشبه لحظة عرفة؛ فالبشرية كلها ربما عرفت الحروب الكبرى، والتيارات الفكرية، والاحتفالات الإمبراطورية، لكنها لم تعرف اجتماعًا يتكرر منذ أربعة عشر قرنًا في الموضع نفسه، والزمان نفسه، والشعور نفسه، كما يحدث في يوم عرفة. هنا لا يقف الناس لمشاهدة ملك، ولا للاحتفال بانتصار عسكري، ولا للاستعراض السياسي، بل يقفون استجابة لنداءٍ خرج من قلب الصحراء قبل أكثر من 1437 عامًا، يوم وقف سيدنا محمد صلوات الله عليه وآله في حجّة الوداع يخاطب الإنسانية كلها من فوق أرض عرفات.
في ذلك اليوم لم يكن النبي يؤسس موسمًا دينيًا عابرًا، بل كان يسلّم البشرية آخر بيان أخلاقي شامل قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى؛ لذلك جاءت خطبة الوداع وكأنها خلاصة الرسالة المحمدية كلها: حرمة الدماء، وكرامة الإنسان، وإبطال العصبية، وصيانة الحقوق، وإقامة العدل، وربط التفاضل بالتقوى وحدها. ثم نزل الإعلان الإلهي العظيم:
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾
وكأن السماء أعلنت في عرفات اكتمال المشروع الأخلاقي للإنسان.
والمدهش أن هذا المشهد لم يتحول إلى ذكرى تاريخية جامدة، بل بقي حيًا متجددًا؛ فالمسلم اليوم لا يقرأ قصة عرفات فقط، بل يعيشها فعليًا. يقف في المكان نفسه الذي وقف فيه النبي، ويلبس لباس التجرد ذاته، ويرفع الدعاء نفسه، ويشعر أن الزمن انطوى بينه وبين عصر النبوة. ملايين البشر من آسيا وإفريقيا وأوروبا والأمريكيتين يذوبون في مشهد واحد حتى تبدو الأرض كلها وكأنها عادت إلى أصلها الأول؛ إنسان يقف بين يدي خالقه بلا طبقية ولا قومية ولا امتياز إلا بالتقوى.
وهنا تكمن العبقرية الروحية للحج؛ فالإسلام لم يجعل الذاكرة النبوية نصًا يُقرأ فقط، بل تجربة تُعاش بالجسد والروح معًا. ولهذا يشعر الحاج في عرفات أن صوت النبي صلوات الله عليه وآله ما زال يتردد في الوادي:
«ألا هل بلغت؟»
وكأن الأجيال كلها تجيب في كل عام:
«اللهم نعم».
ومن أعظم ما يمكن أن يقدمه المسلم اليوم في هذا المقام أن يستلهم دعاءه من روح خطبة الوداع نفسها؛ لا دعاءً فرديًا محدودًا، بل دعاءً يحمل همّ الإنسان والأمة والعالم، لأن النبي في عرفات لم يكن يخاطب قبيلة، بل كان يخاطب البشرية.
ومن وحي تلك الخطبة يمكن أن ينبثق هذا الدعاء المعاصر:
اللهم يا من أكملت لنا الدين يوم عرفة، وأتممت علينا النعمة، ورضيت لنا الإسلام دينًا، اجعلنا من أهل الرحمة لا من أهل القسوة، ومن أهل العدل لا من أهل الظلم، ومن أهل السلام لا من أهل الفتنة.
اللهم كما حرّم نبيك الدماء والأموال والأعراض، فاحفظ أوطان المسلمين من الحروب والكراهية والانقسام، واجعلنا مفاتيح خير ومغاليق شر.
اللهم ألّف بين قلوب عبادك كما جمعتهم في عرفات، وأذهب عنهم العصبية والكبر والاحتقار، واجعل اختلاف الألسنة والألوان بابًا للتعارف لا للتنازع.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا القوة معيار كرامتنا، بل اجعل التقوى والرحمة والصدق ميزاننا كما أراد نبيك صلوات الله عليه وآله.
اللهم بحق أهل عرفة، وبحق صائم يوم عرفة، لا تحرمنا أجر هذا اليوم العظيم، واكتب لنا فيه عتقًا من النار، ومغفرةً شاملة، ورحمةً تتسع لنا ولوالدينا وأحبابنا والمسلمين أجمعين.
اللهم كما وقف نبيك في هذا اليوم يبلغ رسالتك، اجعلنا ممن يحملون الخير للناس، ويشهدون للحق، ويحيون معاني الرحمة في الأرض.
واحشرنا تحت لوائه، واسقنا من يده الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
إن عرفات ليست مجرد أرض، بل ذاكرة الأمة الحية، والمكان الوحيد تقريبًا الذي ما زال العالم يقف فيه كما وقف النبي نفسه؛ ولذلك يبقى يوم عرفة أعظم درس سنوي في معنى الإنسانية والتجرد والمساواة. ففي تلك الساعات القصيرة يسقط صخب العالم كله، ويبقى الإنسان وحده أمام خالقه، كما كان يوم وقف النبي صلوات الله عليه وآله وقال للبشرية كلمته الأخيرة، ثم ترك لها الطريق مفتوحًا إلى السماء.
