ذاكرة المكان: حين أنسن الحرم نفسه بالقباب

 الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

حين ينظر الزائر اليوم إلى صحن المطاف الممتد حول الكعبة المشرفة، وإلى الفضاء الرحب الذي يستوعب مئات الآلاف من الطائفين في الوقت ذاته، قد يصعب عليه أن يتخيل أن هذا المكان نفسه كان قبل عقود قليلة يحتضن مجموعة من القباب والمعالم الصغيرة التي توزعت حول البيت العتيق، تؤدي وظائف حيوية في حياة الحرم اليومية. وقد درج بعض المعاصرين على اختزال تلك القباب في صورة مبسطة، وكأنها مجرد مواضع لصلاة المذاهب الفقهية، بل ذهب بعضهم إلى تصوير المسجد الحرام وكأنه كان يشهد خمس جماعات مستقلة متعاقبة لكل صلاة من الصلوات الخمس، حتى تحولت هذه الصورة مع كثرة الترداد إلى حقيقة راسخة في أذهان كثير من الناس.

غير أن التأمل في تاريخ الحرم ووظائفه العمرانية والاجتماعية يقود إلى قراءة مختلفة؛ قراءة ترى في تلك القباب جزءًا من منظومة إدارة الحجيج قبل ظهور التقنية الحديثة، لا مجرد شواهد مذهبية جامدة.

ففي العصور التي سبقت مكبرات الصوت والخرائط الإلكترونية والشاشات الإرشادية، كانت مكة تستقبل أفواجًا متتابعة من الحجاج القادمين من أقاليم العالم الإسلامي المختلفة. كان بينهم المغربي والمصري والشامي والعراقي والنجدي واليمني والهندي والجاوي والتركي والأفريقي، ولكل جماعة لغتها وعاداتها وطرق حجها ومرافقيها. وكان لا بد من وجود معالم واضحة تساعد على تنظيم هذا التنوع البشري داخل أقدس بقعة في الأرض.

ومن هنا ظهرت القباب بوصفها أدوات تنظيم وإرشاد قبل أن تكون رموزًا فقهية.

وكانت قبة زمزم أشهر هذه القباب وأعظمها أثرًا. فمنذ قرون طويلة وقفت فوق البئر المباركة تؤدي أدوارًا متعددة تتجاوز مجرد حماية فوهة البئر. كانت مركزًا للسقيا والإرشاد والخدمة، وعلامة مكانية يعرفها كل وافد إلى الحرم، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة البصرية للمسجد الحرام.

أما القباب والمقامات الأخرى فقد ارتبطت في الوعي العام بالمذاهب الأربعة، لكن المذهب في ذلك العصر لم يكن مجرد اجتهاد فقهي، بل كان انعكاسًا لأقاليم بشرية كاملة. فالمغاربة عُرفوا بالمالكية، وأهل العراق والأناضول بالأحناف، وأهل نجد بالحنابلة، وأهل اليمن وأجزاء واسعة من الشام ومصر بالشافعية. ومن هنا أصبحت القباب علامات يتعرف من خلالها الحاج على جماعته ومرشديه ومطوفيه وأهل بلده، كما يتعرف على المرجعية العلمية التي ينتمي إليها.

لقد كانت القباب تؤدي وظيفة تشبه ما تؤديه اليوم مراكز الإرشاد المنتشرة في المشاعر المقدسة.

فالحاج الذي يسير اليوم بين منى ومزدلفة وعرفات يجد أكشاكًا ومراكز تعريفية بلغات متعددة، ترشده وتجيبه وتوجهه إلى الطريق الصحيح. وهذه المراكز الحديثة ليست إلا امتدادًا وظيفيًا لفكرة قديمة عرفها الحرم منذ قرون، وإن اختلفت الوسائل والأشكال.

فالوظيفة واحدة، أما الأداة فقد تبدلت.

كانت القبة تؤدي دور مركز المعلومات في عصرها، كما تؤدي الشاشة الإلكترونية هذا الدور اليوم. وكان المطوف الجالس عند المقام يقوم بما تقوم به تطبيقات الحج الذكية في زماننا. وكانت العلامة العمرانية الثابتة تقوم مقام اللوحة الإرشادية الحديثة.

ولهذا فإن إزالة القباب في توسعة الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله سنة 1383هـ لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها إلغاءً لوظيفتها، بل باعتبارها انتقالًا من مرحلة عمرانية إلى مرحلة تقنية جديدة. فقد دخل الميكروفون إلى الحرم، وتطورت وسائل التنظيم، واتسعت المساحات، وتضاعفت أعداد الحجاج أضعافًا كثيرة. ولم يعد الحرم الذي كان يخدم عشرات الآلاف من الزوار هو الحرم الذي يستقبل اليوم الملايين من ضيوف الرحمن.

لقد تغيّر حجم التحدي، فتغيرت معه أدوات الإدارة والخدمة.

ومن هنا فإن القباب ليست مجرد بقايا معمارية من الماضي، بل شاهد على عبقرية المكان في كل عصر. فقد استطاع المسجد الحرام أن يبتكر الوسائل المناسبة لخدمة قاصديه بحسب حاجات زمانهم، وأن ينتقل من التنظيم بالحجر إلى التنظيم بالتقنية دون أن يفقد روحه أو رسالته.

لقد غابت القباب عن المطاف، لكن فكرتها ما زالت حية.

فكل مركز إرشاد في المشاعر، وكل خريطة ذكية، وكل تطبيق للحج، وكل موظف يساعد حاجًا تائهًا على الوصول إلى وجهته، يحمل في داخله امتدادًا لوظيفة قديمة عرفتها مكة منذ قرون.

وهكذا لم تكن القباب جدرانًا صامتة، بل كانت ذاكرة للمكان، وعقلًا تنظيميًا لعصرها، وتجربة عمرانية سبقت زمانها. وحين ننظر إليها بهذه العين ندرك أن الحرم لم يكن يبني الحجر فحسب، بل كان يبني الإنسان أيضًا، وأن تلك القباب كانت إحدى الوسائل التي أنسن بها المكان نفسه قبل أن تتولى التقنية الحديثة أداء المهمة ذاتها بلغة جديدة وأدوات مختلفة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *