التجاوز إلى المحتوى
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
خلال جولتي في معالم عمّان التاريخية، والتي رافقني فيها السادة الأشراف علاء وعبدالرحمن وجلال، وابني علي، شدّنا جميعًا مبنى يقف في قلب العاصمة كما تقف الذاكرة في قلب التاريخ؛ المسجد الحسيني الكبير. لم تكن الزيارة مجرد وقوف أمام مسجد عريق، بل كانت رحلةً بين طبقات الزمن، بدأت من حجرٍ منقوش على جدرانه، وامتدت إلى وثائق نادرة وصور تاريخية أعادت إلينا ملامح عمّان الأولى.
وأثناء تأملنا للمسجد وما يحمله من رموز، وقفت أمام لوحة حجرية كتب عليها:
“أمر ببناء هذا المسجد عبدالله بن أمير المؤمنين الحسين بن علي بن محمد بن عون إبان إمارته على نواحي الأردن عام 1341هـ”.
كانت تلك الكلمات القليلة كافية لفتح أبواب قرن كامل من التاريخ. ثم ازدادت الصورة وضوحًا عندما وقفت على وثيقة نادرة صادرة عن لجنة تعمير الجامع العمري الكبير بعمان سنة 1922م، المشكلة برئاسة الأمير عبدالله بن الحسين، والتي تكشف جانبًا من الجهد الشعبي والرسمي الذي بُذل لإحياء هذا المعلم الإسلامي العريق.
غير أن قصة المسجد لا تبدأ مع الأمير عبدالله، ولا مع تأسيس إمارة شرق الأردن، بل تعود إلى بدايات الفتح الإسلامي لبلاد الشام.
فالمصادر التاريخية تذكر أن الجامع العمري في عمّان يعود في أصله إلى عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويرجح أن تأسيسه كان في حدود سنة 13هـ، وهي المرحلة التي دخلت فيها المنطقة تحت راية الإسلام. ومن هنا حمل المسجد اسمه التاريخي “الجامع العمري”، شأنه شأن عدد من المساجد العمرية المنتشرة في بلاد الشام وفلسطين.
ولم يكن الجامع بناءً هامشيًا أو مسجد حي صغير، بل كان الجامع الرئيس لمدينة عمّان. وقد وصفه كبار الجغرافيين المسلمين وصفًا دقيقًا، ومنهم المقدسي في كتابه “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” وياقوت الحموي في “معجم البلدان”. وتشير أوصافهم إلى مسجد واسع يتوسط المدينة، له صحن كبير تحيط به الأروقة، وأعمدة تحمل السقائف وبيت الصلاة، وقد شُيّد بحجارة منتظمة الصنع تدل على عناية عمرانية كبيرة.
ثم جاءت الدولة الأموية لتمنح المسجد مرحلة جديدة من حياته. وتشير المصادر إلى أن الجامع خضع لإعادة بناء وتوسعة في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، في الفترة نفسها التي شهدت تشييد الجامع الأموي الكبير في دمشق. وكانت عمّان آنذاك جزءًا من الحاضرة الشامية التي حظيت بعناية الخلفاء الأمويين، فحمل المسجد ملامح العمارة الإسلامية المزدهرة في ذلك العصر.
ومرت القرون بعد ذلك على الجامع، وتعاقبت عليه الدول الإسلامية المختلفة، من العباسيين إلى الأيوبيين والمماليك والعثمانيين. وظل المسجد قائمًا يؤدي رسالته، وإن تعرض شأنه شأن كثير من مباني الشام القديمة إلى الترميم والتجديد مرارًا بسبب عوامل الزمن والزلازل والتحولات العمرانية.
وعندما بدأت الصور الفوتوغرافية توثق معالم عمّان في أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين، ظهر الجامع العمري في حالة من التهدم الواضح. فقد كشفت الصور القديمة عن جدران حجرية ضخمة ما زالت قائمة، وعقود معمارية جميلة، ومئذنة متصدعة تقاوم الزمن، بينما اختفت أجزاء واسعة من المبنى الذي ظل شاهدًا على أكثر من ألف عام من تاريخ المدينة.
وكانت عمّان آنذاك مدينة صغيرة تستيقظ من سبات طويل. ومع وصول الأمير عبدالله بن الحسين إليها سنة 1921م بدأت مرحلة جديدة من تاريخ الأردن الحديث. فكما احتاجت الإمارة الناشئة إلى مؤسسات الحكم والإدارة، احتاجت أيضًا إلى إحياء معالمها الدينية والتاريخية.
ومن هنا جاءت فكرة إعادة بناء الجامع العمري الكبير.
وتُعد الوثيقة النادرة الصادرة عن لجنة تعمير الجامع العمري الكبير بعمان من أهم الشواهد على هذه المرحلة. فالوثيقة تحمل عنوان “لجنة تعمير الجامع العمري الكبير بعمان”، وتذكر أنها تشكلت برياسة صاحب السمو الملكي الأمير المعظم عبدالله. كما تظهر تبرعات الأهالي والأعيان، وتكشف عن حجم المشاركة المجتمعية في المشروع.
واللافت أن الوثيقة تعكس الواقع النقدي في تلك الفترة؛ إذ كان الجنيه المصري مستخدمًا رسميًا في شرق الأردن، في حين كانت الليرة المجيدية العثمانية ما تزال متداولة بين الناس، وهو ما يمنح الوثيقة قيمة اقتصادية واجتماعية إضافية إلى جانب قيمتها التاريخية.
ومن الأسماء البارزة التي تظهر في الوثيقة ميرزا باشا وصفي، أحد كبار القادة العسكريين والإداريين في الإمارة الناشئة، والذي لعب دورًا مهمًا في بناء مؤسسات الدولة الأردنية الحديثة. كما كان من بين القائمين على المشروع سعيد الكرمي، قاضي عمّان آنذاك وأحد رجالات الدولة المعروفين.
وتكشف هذه الوثائق أن إعادة بناء الجامع لم تكن مشروعًا حكوميًا صرفًا، بل مشروعًا وطنيًا شارك فيه الأمير والعالم والقاضي والعسكري والتاجر والمواطن العادي. لقد كان الجامع مشروع مدينة بأكملها، بل مشروع دولة في طور التكوين.
ولهذا فإن النقش الحجري المثبت على المسجد يكتسب أهمية خاصة عندما ينص على أن:
“أمر ببناء هذا المسجد عبدالله بن أمير المؤمنين الحسين بن علي بن محمد بن عون إبان إمارته على نواحي الأردن عام 1341هـ”.
فالنص لا يخلد مجرد عملية بناء، بل يوثق لحظة تأسيسية من تاريخ الأردن الحديث، ويقدم لنا واحدة من أقدم الصيغ السياسية التي استُخدمت لوصف حكم الأمير عبدالله في تلك المرحلة المبكرة.
وبعد اكتمال إعادة البناء أصبح المسجد يحمل اسم “المسجد الحسيني الكبير”، تكريمًا للشريف الحسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى ووالد الأمير عبدالله، بينما بقيت ذاكرة الجامع العمري حاضرة في الوثائق والمصادر التاريخية.
وهكذا اجتمع في هذا المكان اسمان عظيمان من تاريخ الأمة الإسلامية؛ عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي ارتبطت به البدايات الأولى للمسجد، والحسين بن علي الذي ارتبط باسمه المسجد في العصر الحديث، بينما كان الأمير عبدالله بن الحسين حلقة الوصل التي أعادت الحياة إلى هذا المعلم التاريخي.
واليوم، عندما يقف الزائر في رحاب المسجد الحسيني الكبير، فإنه لا يقف أمام مبنى للصلاة فحسب، بل أمام سجل حجري مفتوح يروي قصة عمّان نفسها؛ من الفتح الإسلامي إلى العصر الأموي، ومن الجامع العمري إلى الدولة الأردنية الحديثة، ومن حجارةٍ كادت تسقط تحت وطأة الزمن إلى معلم نابض بالحياة ما زال يؤذن للصلاة في قلب العاصمة بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا من التاريخ.
