ألوان كسوة الكعبة بين التاريخ والمناخ قراءة في صورة نشرها الدكتور عبدالله الغذامي ووثيقة عثمانية نادرة
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
حين نشر الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي صورةً تُظهر ألوان كسوة الكعبة المشرفة عبر التاريخ، لم يرفقها بأي تعليق. وربما كان هذا الصمت أبلغ من التعليق نفسه؛ إذ ترك الصورة تؤدي وظيفتها الثقافية والتاريخية، وتدفع المتلقي إلى التساؤل عن سر تعدد الألوان التي عرفتها الكسوة عبر العصور.
ففي الوعي المعاصر ارتبطت الكعبة المشرفة بالكسوة السوداء حتى أصبحت الصورة الذهنية السائدة لدى المسلمين في أنحاء العالم. غير أن المصادر التاريخية تخبرنا بأن هذا اللون لم يكن الوحيد الذي عُرفت به الكسوة. فقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، كما أورد الأزرقي في أخبار مكة، أن الكعبة كُسيت بألوان متعددة، منها الأبيض والأصفر والأخضر والأسود، إلى أن جاء الخليفة العباسي الناصر لدين الله فكساها الديباج الأخضر، ثم استبدله بالديباج الأسود، فاستمر العمل بذلك في العصور اللاحقة حتى يومنا هذا.
غير أن الصورة التي نشرها الغذامي تكتسب بعدًا جديدًا عند قراءتها إلى جانب وثيقة عثمانية محفوظة في دفاتر المهمة تعود إلى سنة 979هـ. فهذه الوثيقة لا تتناول الجانب الرمزي للألوان، بل تفتح نافذة على جانب عملي وفني يتعلق بصناعة الكسوة نفسها.
وتنص الوثيقة على أن العادة جرت أن تكون الكسوة الشريفة للكعبة باللون الأسود، إلا أن حرارة مكة المكرمة كانت تؤدي إلى تلفها خلال مدة وجيزة، الأمر الذي دفع الإدارة العثمانية إلى دراسة إمكانية استخدام اللون الأبيض، وطلب إعداد نماذج باللونين الأسود والأبيض للمقارنة بينهما قبل اتخاذ القرار النهائي.
وهنا تبرز أهمية الوثيقة؛ فهي لا تناقش أفضلية لون على آخر، ولا تتحدث عن رمزية دينية للون الأبيض أو الأسود، وإنما تكشف عن تفكير إداري وفني متقدم أخذ في الحسبان طبيعة البيئة المكية وتأثيرها على الكسوة.
ومن الخطأ أن يُفهم من الوثيقة أن المشكلة كانت في اللون الأسود ذاته، فالأسود ظل اللون الغالب للكسوة قرونًا طويلة بعد ذلك. وإنما تشير الوثيقة إلى أن الكسوة المستخدمة آنذاك كانت تتعرض للتلف السريع بفعل عوامل متعددة، في مقدمتها حرارة مكة الشديدة وأشعة الشمس المباشرة، إضافة إلى ما تتعرض له الكسوة من ملامسة الحجاج والزوار والمتضرعين بالبيت الحرام.
كما تفتح الوثيقة بابًا مهمًا لفهم مستوى صناعة النسيج في ذلك العصر. فمن المحتمل أن الخامة المستخدمة أو أساليب الصباغة والحياكة لم تكن تملك القدرة الكافية على مقاومة الظروف المناخية القاسية بالمقارنة مع ما وصلت إليه صناعة الكسوة في العصور المتأخرة. ولذلك لم يكن البحث عن اللون الأبيض بحثًا عن رمز جديد، بل محاولة لتحسين العمر الافتراضي للكسوة والحفاظ عليها مدة أطول.
وهنا تتجلى قيمة الوثيقة التاريخية؛ فهي تُظهر أن خدمة الكعبة المشرفة لم تكن مجرد أعمال احتفالية أو بروتوكولية، بل كانت مشروعًا متكاملًا يجمع بين الإدارة والصناعة والخبرة العملية. فالقائمون على شؤون البيت الحرام كانوا يدرسون أثر المناخ على القماش، ويتابعون مدى تحمله، ويبحثون عن الحلول المناسبة للمحافظة على الكسوة بأفضل صورة ممكنة.
ومن هذه الزاوية يصبح نشر صورة ألوان الكسوة أكثر من مجرد استعراض تاريخي للألوان. إنها دعوة لإعادة قراءة تاريخ الكعبة المشرفة من خلال تفاصيل تبدو صغيرة للوهلة الأولى، لكنها تكشف عن تفاعل مستمر بين المكان والإنسان، وبين المقدس ومتطلبات خدمته.
فألوان الكسوة لم تكن مجرد اختيار جمالي، بل كانت في أحيان كثيرة انعكاسًا للواقع المناخي والتقني والاقتصادي لكل عصر. والوثيقة العثمانية تقدم شاهدًا واضحًا على ذلك، حين جعلت من حرارة مكة وجودة الخامة موضوعًا للنقاش الرسمي في أعلى دوائر الدولة.
وهكذا تكشف لنا صورة واحدة نشرها الغذامي، ووثيقة واحدة محفوظة في دفاتر الدولة العثمانية، أن تاريخ كسوة الكعبة ليس تاريخ ألوان فحسب، بل هو تاريخ صناعة وإدارة وبيئة وحضارة، وأن وراء السواد الذي استقر في الذاكرة الإسلامية اليوم رحلة طويلة من التجربة والتطوير والتكيف مع طبيعة أم القرى ومناخها الفريد.