المشكلة في السيرة أم في المنهج؟ قراءة نقدية في أطروحات فراس السواح بين التاريخ والوحي
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
أعاد فراس السواح في حواره الأخير على منصة “تكوين” طرح جملة من الأفكار التي ظل يكررها في كتبه ومحاضراته منذ عقود، ومفادها أن السيرة النبوية تختلف عن القرآن الكريم، وأن كثيراً من الوقائع المشهورة في التاريخ الإسلامي لا ترد في النص القرآني، وأن الشواهد النقوشية والمادية لا تسعف الرواية الإسلامية كما يتصور أصحابها، وأن ثقافتنا القديمة أصبحت “ثقافة أموات” ينبغي تجاوزها لصالح “ثقافة أحياء” أكثر ارتباطاً بالإنسان المعاصر.
وللوهلة الأولى قد تبدو هذه الأفكار دعوة إلى مراجعة التاريخ وإعادة قراءته، وهي دعوة لا يختلف عليها اثنان إذا التزمت بأدوات البحث العلمي وأخلاقياته. لكن التأمل في البناء الفكري الذي تقوم عليه هذه الأطروحات يكشف أن القضية أعمق من مجرد مراجعة بعض الروايات أو إعادة تفسير بعض الأحداث، بل تتصل بطبيعة الدين نفسه، ومصدره، وحدود المناهج التي يجوز استخدامها في قراءته.
فالسواح ينطلق من اعتبار الدين ظاهرة ثقافية قبل أي شيء آخر. وبناء على هذا التصور تصبح النبوات والأديان تعبيراً عن بيئاتها التاريخية، وتغدو النصوص المقدسة انعكاساً للثقافة التي نشأت فيها. وعند هذه النقطة لا يعود الحديث عن الوحي بوصفه خطاباً إلهياً متجاوزاً للزمان والمكان، بل بوصفه نتاجاً بشرياً تشكل داخل ظروف اجتماعية وثقافية محددة.
وهنا يكمن جوهر الخلاف.
فالمسلم لا ينظر إلى الإسلام بوصفه ظاهرة ثقافية عربية ظهرت في القرن السابع الميلادي، وإنما يراه رسالة إلهية خاتمة نزل بها الوحي على سيدنا محمد ﷺ لهداية الناس كافة. صحيح أن الرسالة نزلت في بيئة عربية وخاطبت مجتمعاً معيناً، لكنها لم تكن نتاج ذلك المجتمع، بل جاءت لتغييره وإعادة تشكيله. فالفرق كبير بين رسالة تصلح المجتمع ورسالة يصنعها المجتمع.
ومن هنا تبدو محاولة تفسير الإسلام كله باعتباره ظاهرة ثقافية محاولة تتجاهل الأساس الذي يقوم عليه الدين نفسه. فالباحث الذي يستبعد الوحي من البداية لن يرى في القرآن إلا نصاً ثقافياً، ولن يرى في النبوة إلا ظاهرة تاريخية، بينما يرى المؤمن أن الوحي حقيقة مستقلة عن الثقافة وإن خاطبها، وأن الرسالة فوق التاريخ وإن نزلت داخله.
أما الاستدلال بأن كثيراً من أحداث السيرة لا ترد في القرآن الكريم، فهو استدلال يقوم على افتراض غير صحيح من أساسه، وهو أن القرآن كتاب تاريخ أو سجل زمني للأحداث. والقرآن لم يقدّم نفسه يوماً بهذه الصفة، بل عرّف نفسه بأنه كتاب هداية وذكر وبيان وتشريع. ولذلك لم يذكر أسماء معظم الصحابة، ولم يفصل كثيراً من الوقائع التي أجمع المسلمون على معرفتها، ولم يشرح تفاصيل الصلاة والحج وسائر الشعائر كما تشرحها كتب الفقه والحديث.
فهل يعني ذلك أن تلك الوقائع لم تقع؟ أم أن لكل مصدر وظيفته وطبيعته؟
إن الفرق بين القرآن والسيرة ليس فرق تناقض، بل فرق وظيفة. فالقرآن نص مؤسس للدين، أما السيرة فهي سجل تاريخي لحياة النبي ﷺ ودعوته ومجتمعه. ومن الخطأ المنهجي أن يُطلب من القرآن أن يؤدي وظيفة كتب التاريخ، ثم يُنتقد لأنه لم يفعل.
كما أن محاولة إسقاط مناهج التاريخ المعاصر على المجتمعات القديمة تمثل إشكالاً آخر في هذه القراءات. فالمجتمعات الحديثة تترك وراءها أرشيفات ضخمة وسجلات رسمية ووثائق يومية، أما المجتمعات القديمة فكانت تعتمد على أنماط مختلفة من التوثيق، منها الرواية الشفهية والكتابة المحدودة والحفظ الجماعي للذاكرة. ومن ثم فإن مطالبة القرن الأول الهجري بمعايير التوثيق الإداري للقرن الحادي والعشرين ليست قراءة للتاريخ، بل إسقاط للحاضر على الماضي.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في أطروحات السواح هو استناده المتكرر إلى غياب الشواهد المادية أو النقوشية المبكرة. وهذه الحجة كانت تجد بعض القبول في زمن كانت فيه المادة النقوشية المكتشفة محدودة، أما اليوم فقد أصبحت موضع مراجعة جدية بعد عشرات الاكتشافات التي خرجت من جبال الجزيرة العربية وأوديتها وصحاريها.
لقد أظهرت النقوش الإسلامية المبكرة أن المجتمع الإسلامي الأول لم يكن غائباً عن الشاهد المادي كما تصور بعض الباحثين. بل إن هذه النقوش قدمت نصوصاً مباشرة تعود إلى القرن الأول الهجري، تحمل أسماء وألفاظاً وصيغاً دينية مرتبطة بالإسلام المبكر، بعيداً عن الجدل الكلامي والتدوين المتأخر.
وفي كتاب “صحف الحجارة” سعينا إلى جمع ودراسة عدد من هذه النقوش التي تعود إلى عصر النبوة والصحابة وما يليه مباشرة، وهي نقوش لا تمثل روايات نقلها مؤرخ بعد قرنين أو ثلاثة، وإنما تمثل أصوات أصحابها أنفسهم وقد تركوها على الحجر في زمنهم. ولهذا فإن قيمتها العلمية كبيرة في أي نقاش يتعلق بتاريخ الإسلام المبكر.
إن وجود هذه النقوش لا يثبت كل ما ورد في كتب السيرة، لكنه ينسف دعوى غياب الشاهد المادي التي قامت عليها بعض الأطروحات الشكية. فالفرق كبير بين من يناقش تفسير الأدلة، وبين من يبني استنتاجاته على افتراض عدم وجود الأدلة أصلاً.
أما وصف التراث بأنه “ثقافة أموات”، فهو في حقيقته وصف لا ينسجم مع طبيعة الحضارات الحية. فالأمم الكبرى لا تعيش بلا ذاكرة، ولا تتقدم عبر القطيعة مع جذورها. الصين لم تتقدم بإنكار كونفوشيوس، وأوروبا لم تنهض بمحو تراث اليونان والرومان، واليابان لم تصبح قوة عالمية بالتخلي عن ذاكرتها التاريخية. بل إن جميع الأمم الناجحة أعادت قراءة تراثها واستثماره وتطويره دون أن تعلن الحرب عليه.
إن الماضي ليس سجناً للحاضر، لكنه أيضاً ليس عبئاً يجب التخلص منه. والتراث ليس مقدساً كله، لكنه ليس باطلاً كله. والعلم لا يقتضي التقديس الأعمى، كما لا يقتضي الهدم الأعمى.
ولهذا فإن المشكلة الحقيقية في أطروحات من هذا النوع ليست في طرح الأسئلة، فالسؤال حق مشروع، وإنما في المنهج الذي تُبنى عليه الإجابات. فحين يُختزل الدين في الثقافة، والوحي في التاريخ، والسيرة في الشك، والنقوش في الغياب حتى بعد ظهورها، يصبح الخلاف أعمق من مجرد نقاش حول حادثة أو رواية.
إنه خلاف بين رؤيتين للإنسان والتاريخ والدين.
رؤية ترى أن السماء صنعت التاريخ.
ورؤية ترى أن التاريخ صنع السماء.
وبين هاتين الرؤيتين تتحدد طريقة قراءة الإسلام، وفهم السيرة النبوية، وتفسير القرآن الكريم، وتقييم التراث كله.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: لماذا لا يذكر القرآن كل تفاصيل السيرة؟
بل: هل يجوز أن نحاكم الوحي بمعايير وُضعت أصلاً لدراسة الظواهر البشرية؟
وهل يمكن فهم رسالة خاتم الأنبياء ﷺ إذا جرى استبعاد مصدرها الإلهي من البداية؟
إن التاريخ يحتاج إلى النقد، والتراث يحتاج إلى المراجعة، لكن المراجعة شيء، وتحويل الدين كله إلى ظاهرة ثقافية شيء آخر. وما بين الأمرين مسافة واسعة هي المسافة الفاصلة بين البحث عن الحقيقة، والبحث عن تفسير يسبق الحقيقة.
