‏حين تجاهلت الحجارة وتبعت الوهم: سقوط سكاي الإماراتية في أطروحات يوسف زيدان عن أبرهة والفيل

 ‏بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

‏في حلقة من برنامج «حديث العرب» على قناة سكاي نيوز عربية، أعاد الدكتور يوسف زيدان طرح رأي قديم يزعم أن أبرهة الحبشي لم يذهب إلى مكة أصلًا، وأن قصة الفيل الواردة في القرآن الكريم لا تتعلق بأبرهة، بل بأحداث المكابيين اليهود وصراعهم مع السلوقيين. وقد بدا الطرح للمشاهد غير المتخصص وكأنه كشف علمي جديد يهدم ما استقر عليه المؤرخون والمفسرون عبر القرون.

‏غير أن المشكلة لا تكمن في حق الباحث في طرح فرضية جديدة، فهذا حق مشروع لا ينازع فيه أحد، وإنما تكمن في أن تُقدَّم الفرضية للمشاهد وكأنها حقيقة تاريخية، بينما تُحجب عنه الأدلة الأثرية والنقوش والشواهد التي تجعل هذه الفرضية نفسها محل تساؤل ونقاش.

‏لقد كان يمكن للقناة أن تقدم خدمة علمية حقيقية لو أنها استضافت إلى جانب صاحب الفرضية متخصصين في النقوش العربية الجنوبية وآثار الجزيرة العربية وتاريخ القرن السادس الميلادي، لكن ما حدث أن المشاهد تلقى رواية واحدة دون أن يسمع ما تقوله الحجارة نفسها.

‏والحقيقة أن أطروحة إنكار أبرهة ليست جديدة، بل تعود في جذورها إلى بعض الاجتهادات الاستشراقية القديمة التي ظهرت في زمن كانت فيه المادة الأثرية المتعلقة بعصر أبرهة محدودة للغاية. أما اليوم فقد تغير المشهد العلمي بالكامل. فلم يعد أبرهة شخصية معروفة من كتب السيرة والتفسير فقط، بل أصبح شخصية تاريخية موثقة بالنقوش العربية الجنوبية المعاصرة لعصره.

‏لقد أثبتت النقوش وجود أبرهة، وسجلت اسمه وألقابه ونشاطه السياسي والعسكري، وحددت موقعه في تاريخ جنوب الجزيرة العربية بصورة لم تعد معها المسألة مجرد رواية منقولة أو خبر محفوظ في المصادر الإسلامية. وأصبح الباحث الجاد مطالبًا بالتعامل مع هذه النقوش قبل بناء أي فرضية بديلة.

‏وقد نشرت في كتابي «صحف الحجارة» مجموعة من النقوش المهمة المكتشفة في آبار مريغان بتثليث، ومنها نقوش تحمل اسم أبرهة صراحة، وأخرى تعود إلى أحد قادة جيشه، كما ظهر ضمن الشواهد رسم للفيل في السياق الزمني نفسه. وهذه النقوش ليست أخبارًا كتبها مؤرخ بعد مئات السنين، بل وثائق حجرية معاصرة للأحداث كتبها أصحابها في زمنها، ولذلك فإن قيمتها العلمية في ميزان البحث التاريخي أعلى من كثير من التأويلات النظرية اللاحقة.

‏وهنا يبرز السؤال الذي تجاهله الطرح الإعلامي بالكامل: إذا كانت النقوش المعاصرة تثبت وجود أبرهة ونشاطه العسكري في الجزيرة العربية، فكيف يمكن تجاوزها والانتقال مباشرة إلى فرضية المكابيين؟ وكيف يمكن نفي أبرهة من المشهد التاريخي بينما الشواهد الأثرية نفسها تؤكد حضوره؟

‏ثم إن القرآن الكريم حين تحدث عن أصحاب الفيل لم يطرح القصة بوصفها حدثًا غامضًا مجهولًا عند العرب، بل بوصفها واقعة معلومة لديهم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾. كما أن العرب أنفسهم جعلوا من «عام الفيل» علامة زمنية يؤرخون بها أحداثهم وأعمارهم. فلو كانت القصة في أصلها حادثة يهودية وقعت في بلاد الشام قبل قرون، كما يزعم أصحاب هذه الفرضية، فكيف تحولت إلى حدث مركزي في الذاكرة العربية والحجازية؟ وكيف أصبحت جزءًا من تقويم العرب وتاريخهم؟

‏إن مراجعة الروايات التاريخية أمر مشروع، بل مطلوب، لكن المراجعة العلمية تختلف عن القفز فوق الأدلة. فالباحث لا يبدأ من رغبة في هدم الرواية المشهورة ثم يبحث عما يؤيد ذلك، بل يبدأ من الشواهد المتاحة كلها، ثم يزنها بميزان واحد. أما أن تُهمل النقوش المؤرخة، وتتجاهل الوثائق الأثرية، ثم يُعاد تدوير فرضية صيغت قبل اكتشاف هذه الشواهد، فذلك ليس تطويرًا للمعرفة التاريخية، بل عودة إلى مرحلة سابقة عليها.

‏لقد كان الأولى بالقناة التي قدمت هذه الأطروحة أن تسأل السؤال الذي يفرضه المنهج العلمي: ماذا نفعل بالنقوش؟ ماذا نفعل بالشواهد الأثرية؟ ماذا نفعل بالأسماء والوقائع التي سجلتها الحجارة نفسها؟ لكن بدلاً من ذلك قُدمت الفرضية مجردة من مواجهة الدليل المقابل.

‏إن التاريخ لا يكتبه الانطباع، ولا تصنعه الإثارة الإعلامية، ولا يصبح الرأي صحيحًا لمجرد أنه صادم أو مخالف للمشهور. قيمة أي فكرة تقاس بقدرتها على الصمود أمام الوثيقة والنقش والشاهد المادي. ولهذا فإن أي نقاش جاد حول أبرهة أو سورة الفيل ينبغي أن يبدأ من النقوش المعاصرة لعصر أبرهة، لا من تجاهلها.

‏لقد تكلمت الحجارة منذ زمن، لكن يبدو أن بعض المنصات الإعلامية فضلت الإصغاء إلى الفرضية، وأدارت ظهرها للدليل.

‏والسؤال الذي يبقى معلقًا: إذا كانت النقوش تثبت وجود أبرهة، فمن الذي يحتاج إلى المراجعة اليوم؟ الرواية التاريخية أم الفرضية التي تنكره؟

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *