حين يصحح الحجرُ التاريخ… نقشٌ إسلامي مبكر يعيد تعريف مفهوم “الحبس” في صدر الإسلام

 بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

ليس كل نقشٍ على صخرة هو مجرد توقيع عابر لمسافر، ولا كل كتابة حجرية تقتصر على تسجيل اسم أو دعاء أو أثر مرور. فبعض النقوش الإسلامية المبكرة يمثل وثائق تاريخية معاصرة للأحداث، كُتبت في زمنها، بعيدًا عن التصرف الذي قد يلحق بالروايات المنقولة بعد عشرات السنين أو مئاتها. ومن هذا اللون النادر من النقوش نقشٌ يضم عبارة قصيرة، لكنها تحمل دلالة تاريخية ولغوية عميقة، إذ يقول كاتبه: «هذا زمن حبس أبي مسعود».  

قد تبدو العبارة لأول وهلة واضحة، فيتبادر إلى الذهن أن المقصود هو السجن بالمعنى المعروف اليوم، غير أن هذا الفهم يعكس إسقاطًا لمفهوم قانوني متأخر على نص كُتب في القرن الأول الهجري، وهي إشكالية كثيرًا ما يقع فيها الباحث حين يقرأ ألفاظ العصور الأولى بعين المصطلحات الحديثة. فاللغة تتطور، والمصطلحات الإدارية تتبدل دلالاتها، ولا يجوز أن يحمل لفظ الحبس في صدر الإسلام على ما استقر عليه بعد قرون من نشوء مؤسسات السجون وأنظمتها.

يحفظ النقش نصه بعبارة موجزة تقول: «أنا أبو الوليد الحارث، فتى عبدالله بن سباع، وكتب هذا زمن حبس أبي مسعود»، وهي صياغة تؤكد أن الكاتب لم يكن بحاجة إلى تعريف أبي مسعود أو شرح الحادثة، لأن المجتمع الذي عاش فيه كان يعرفها جيدًا، حتى أصبحت علامة زمنية يؤرخ بها الناس، كما أرخ العرب بعام الفيل، وأرخ المسلمون بعام الرمادة.

وبالرجوع إلى مصادر التراجم يتبين أن المقصود هو الصحابي الجليل أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري، أحد أهل بيعة العقبة الثانية، ومن كبار أصحاب رسول الله ﷺ، ثم ممن نزلوا الكوفة بعد الفتوح الإسلامية. وهنا يتحول النقش من مجرد كتابة شخصية إلى شاهد أثري يرتبط مباشرة بأحد أعلام الجيل الأول من الصحابة.

غير أن القيمة العلمية للنقش تكمن في إعادة قراءة كلمة الحبس نفسها. فالشواهد اللغوية والحديثية تدل على أن هذا اللفظ في القرن الأول الهجري كان يعني المنع أو التقييد أو إيقاف الحركة، أكثر مما يعني السجن الاصطلاحي. ففي صلح الحديبية قال النبي ﷺ: «حبسها حابس الفيل»، أي منعها الله من دخول مكة، ولم يكن المقصود سجن الناقة. وفي الصحيح أن المشركين حبسوا رسول الله ﷺ عن صلاة العصر، أي منعوه من أدائها في وقتها. كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن الناس حُبسوا على الماء بسبب فقدان العقد، أي توقفوا عن متابعة السير. وهذه النصوص تؤكد أن الحبس في الاستعمال العربي المبكر كان يعني المنع والتقييد، لا الإيداع في مكان مخصص للعقوبة.

ومن هنا تتضح أهمية النقش؛ إذ إنه يدفع إلى إعادة النظر في تصور شائع عن وجود السجون بمعناها المؤسسي في عصر النبوة والخلفاء الراشدين، بينما تدل المصادر التاريخية على أن تلك المرحلة لم تعرف السجن بوصفه مؤسسة قائمة كما ظهر لاحقًا في العصر الأموي والعباسي، وإنما كانت الأحكام تنفذ مباشرة، وإذا اقتضت المصلحة منع شخص من السفر أو من مخالطة الناس، تحقق ذلك بوسائل تتناسب مع طبيعة الدولة الناشئة آنذاك.

وعند جمع هذا الفهم اللغوي مع الروايات التاريخية يظهر وجه جديد للنقش؛ فقد حفظت كتب الحديث أخبارًا عن سياسة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تنظيم الرواية، وذكرت أنه منع عددًا من كبار الصحابة من مغادرة المدينة أو من الإكثار من التحديث، ومن بينهم أبو مسعود الأنصاري، وذلك اجتهادًا في ضبط نقل السنة في مرحلة كان القرآن الكريم فيها هو الأصل الذي يتوجه إليه الناس، ولم يكن ذلك عقوبة ولا انتقاصًا من مكانة الصحابة.

وبهذا يصبح نقش «زمن حبس أبي مسعود» شاهدًا ماديًا معاصرًا ينسجم مع تلك الروايات، ويؤكد أن الحادثة كانت معروفة حتى اتخذها الناس مقياسًا للتأريخ، وهي ظاهرة اجتماعية تدل على أثر الحدث في الوعي العام، كما تسمح المقارنة بين حياة أبي مسعود والأحداث السياسية في خلافة عمر رضي الله عنه بترجيح أن النقش كتب في حدود سنة 22هـ، مما يجعله من أقدم النقوش الإسلامية التي يمكن ربطها بواقعة تاريخية محددة وبصحابي معروف.

إن هذا النقش لا يقدم معلومة تاريخية فحسب، بل يقدم درسًا في منهج البحث؛ إذ يثبت أن قراءة النقوش الإسلامية لا تقوم على تهجئة الحروف وحدها، وإنما على فهم لغة العصر، وربط المصطلحات بسياقها التاريخي، ثم موازنتها بالروايات الحديثية والمصادر المبكرة. فكم من لفظ تغير معناه عبر القرون، وكم من مفهوم استقر في الأذهان بسبب قراءة معاصرة لنص قديم.

وهكذا يبرهن هذا النقش مرة أخرى أن الحجارة ليست صامتة، بل تحفظ من الذاكرة الإسلامية ما قد يغيب عن بعض الروايات، وأن نقشًا لا يتجاوز أسطرًا قليلة قادر على إعادة فتح نقاش علمي حول مفهوم إداري في صدر الإسلام، وعلى تصحيح قراءة تاريخية ظلت أسيرة المصطلحات المتأخرة. وهذا هو جوهر علم النقوش؛ أن يجعل من الحجر وثيقةً ناطقة، ومن الأثر شاهدًا حيًا على التاريخ.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *