( خبزالخَمير ) ، وهو خبز عُرف بهذا الاسم في مكة قبل الإسلام، واستمر حضوره في المجتمع الإسلامي في عهد رسول الله ﷺ،
إعداد: الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
لم تحفظ السنة النبوية أسماء الرجال والقبائل والأماكن فحسب، بل حفظت أيضًا أسماء الأطعمة التي كانت حاضرة على موائد العرب في صدر الإسلام، ومن أشهرها الخَمير، وهو خبز عُرف بهذا الاسم في مكة قبل الإسلام، واستمر حضوره في المجتمع الإسلامي في عهد رسول الله ﷺ، حتى غدا من الأطعمة المتداولة التي يعرفها الناس ويقترض بعضهم بعضًا منها.
قال الإمام العيني في بيان معناه:
«الخَمير: الخبز الذي خُمِّر وجُعل في عجينه الخميرة.»
ويشهد لانتشاره في العصر النبوي ما روي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال:
«الحمد لله الذي أطعمنا الخمير، وألبسنا الحبير.»
فجمع رضي الله عنه بين نعمة الطعام ونعمة اللباس، فالخمير يمثل قوت الإنسان، والحبير يمثل أجمل اللباس وأحسنه.
كما جاء في الحديث:
«سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن استقراضِ الخميرِ والخبزِ فقال: سبحانَ اللهِ، إنما هي من مكارمِ الأخلاقِ، خذِ الصغيرَ وأعطِ الكبيرَ، وأعطِ الكبيرَ وخذِ الصغيرَ، وخيرُكم أحسنُكم قضاءً.»
ويكشف هذا الحديث عن جانب من الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع النبوي، حيث كان الخمير من الأطعمة اليومية التي يقع فيها الاقتراض والاستقراض، وهو ما يدل على شيوعه بين الناس، كما يرشد الحديث إلى أن حسن القضاء والتسامح في مثل هذه المعاملات من مكارم الأخلاق.
وكان الخمير يؤكل بطرائق متعددة، فيُفت باللحم والمرق، أو باللبن الرائب، أو يؤكل مع التمر، أو مع السمن، أو مع سائر الإدام، بحسب ما يتيسر في البيوت العربية، فكان غذاءً حاضرًا على المائدة، يجمع بين البساطة والقيمة الغذائية.
ولم يبق الخمير حبيس كتب اللغة والحديث، بل بقي اسمه حيًا في جنوب المملكة العربية السعودية وجنوبها الغربي، حيث لا يزال يصنع إلى اليوم، وإن اختلفت مكوناته بحسب البيئة؛ ففي بعض المناطق يصنع من القمح، وفي مناطق أخرى من الذرة الحمراء أو البيضاء، ويُعد من أشهر أنواع الخبز الشعبي، مع احتفاظه باسمه العربي القديم الذي عرفه العرب قبل الإسلام، وجرى على ألسنة الصحابة، ووثقته السنة النبوية.
إن استمرار اسم الخَمير عبر أكثر من أربعة عشر قرنًا يمثل شاهدًا حيًا على أصالة اللسان العربي، كما يكشف أن كثيرًا من مفردات الحياة اليومية في العصر النبوي لم تندثر، بل بقيت حاضرة في ثقافة المجتمع وعاداته الغذائية حتى يومنا هذا، لتصل الماضي بالحاضر، وتحفظ جانبًا من تراث المائدة النبوية في ذاكرة الأمة.
