بعد 168 عامًا… الوثائق تتكلم الملف الذي أغفلته كتب التاريخ: سجلات التعويضات البريطانية تكشف أسماء المتضررين واليهود وشبكات التجارة بعد فتنة جدة سنة 1274هـ / 1858م
إعداد: الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
اعتادت الدراسات التي تناولت فتنة جدة سنة 1274هـ/1858م أن تقف عند أسبابها، وتفاصيل اندلاعها، ومقتل القنصلين البريطاني والفرنسي، وما أعقب ذلك من تدخل الأسطول البريطاني والضغوط الأوروبية على الدولة العثمانية، حتى أصبحت هذه الجوانب هي الصورة الغالبة في الكتابات التاريخية. غير أن هذه الدراسات، في حدود ما اطلعنا عليه، لم تتوقف عند ملف وثائقي بالغ الأهمية، ظل حبيس الأرشيف لأكثر من قرن ونصف، وهو سجل لجنة التعويضات البريطانية الذي أُعد عقب انتهاء الفتنة مباشرة لحصر الخسائر، والتحقيق في المطالبات، وتقدير التعويضات المستحقة للمتضررين.
ولا يمثل هذا السجل مجرد وثيقة مالية أو إدارية، بل يعد سجلًا اقتصاديًا واجتماعيًا وقانونيًا متكاملًا يعيد رسم صورة مدينة جدة في منتصف القرن التاسع عشر. فمن خلال صفحاته تتجلى أسماء التجار، والبيوت التجارية، ووكلاء الشركات، والمترجمين، وموظفي القنصليات، وأصحاب رؤوس الأموال، كما تتحدد قيمة البضائع المنهوبة، والممتلكات المفقودة، والأموال المودعة، والطرق التي اتبعتها لجنة التحقيق البريطانية في فحص الأدلة قبل إصدار قراراتها.
وتزداد قيمة هذه الوثائق لأنها لم تُكتب بعد عقود من الحادثة، وإنما دُوِّنت في أيامها وأسابيعها الأولى، واستندت إلى مستندات أصلية قدمها أصحاب المطالبات، شملت دفاتر الحسابات، وسندات الشحن، والفواتير، وعقود الشراكة، والمراسلات التجارية، ووثائق الملكية. وقد ناقشت اللجنة كل مطالبة على حدة، وخفضت كثيرًا من المبالغ، واستبعدت بعض المطالبات، وسجلت أسباب قراراتها بالتفصيل، وهو ما يجعل هذه السجلات من أوثق المصادر الأولية لدراسة الحياة الاقتصادية في جدة العثمانية.
ومن أبرز ما تكشفه هذه الوثائق أنها حفظت أسماء المتضررين فردًا فردًا، وهو جانب يكاد يغيب عن معظم الدراسات المنشورة حول الفتنة. فقد ظهر في السجل تجار مسلمون، ومسيحيون، وأرمن، ويونانيون، كما ورد اسم إزقييل ساسون (Ezekiel Sassoon)، أحد أفراد أسرة ساسون اليهودية الشهيرة، ضمن أصحاب المطالبات بالتعويض. وتبين الوثائق أن له بضائع مودعة لدى بيت إسماع سراوة، أحد أكبر البيوت التجارية في جدة، وأن خسائره نوقشت أمام اللجنة البريطانية وفق الإجراءات النظامية المعتمدة.
ولا تكمن أهمية هذا الاسم في انتمائه الديني وحده، بل في الدلالة التاريخية التي يحملها؛ إذ يقدم دليلًا وثائقيًا معاصرًا على ارتباط تجار يهود بالحركة التجارية في جدة، ضمن شبكة اقتصادية واسعة امتدت من بغداد والبصرة إلى بومباي وكلكتا وعدن، ثم إلى موانئ البحر المتوسط وأوروبا. كما أن إدراج مطالبته في السجل الرسمي للجنة التعويضات يؤكد أن نشاطه التجاري كان معترفًا به في الإطار القانوني الذي حكم العلاقات التجارية آنذاك.
وتظهر الوثائق كذلك أسماء تجار يونانيين، مثل ثيودوروس كوتالاس وغريغوريوس نزارليدس، وأسماء أرمنية مثل سركيس آغا، إلى جانب عدد كبير من التجار المسلمين والعرب، وهو ما يعكس الطبيعة الدولية لمدينة جدة في القرن التاسع عشر. فقد كانت المدينة ميناءً عالميًا، ومركزًا لتبادل السلع ورؤوس الأموال، ومقرًا لوكالات تجارية وقنصلية تمثل دولًا مختلفة، وهو ما يفسر هذا التنوع البشري والاقتصادي الذي حفظته سجلات التعويضات.
ومن الملاحظ أن عددًا كبيرًا من المطالبات ارتبط باسم إسماع سراوة، الأمر الذي يكشف عن المكانة التجارية الكبيرة التي كان يحتلها. فلم يكن مجرد تاجر، بل كان مديرًا لبيت تجاري ضخم، ووكيلًا لحفظ البضائع وإدارة رؤوس الأموال القادمة من مصر والهند وأوروبا. ولذلك لم يؤد مقتله إلى خسارة أسرته وشركائه فحسب، بل انعكس على عشرات التجار الذين كانت بضائعهم مودعة لديه، وهو ما تفسره كثرة المطالبات المرتبطة باسمه في سجلات اللجنة البريطانية.
وتكشف الوثائق أيضًا أن لجنة التعويضات لم تكن لجنة شكلية، بل كانت هيئة تحقيق متخصصة. فقد قارنت بين المستندات، وراجعت أقوال أصحاب المطالبات، واستمعت إلى الشهود، وناقشت قيمة البضائع، وأخذت في الاعتبار ما إذا كان أصحاب المطالبات قد حصلوا على تعويضات من جهات أخرى، ثم انتهت إلى تقدير مبالغ التعويض وفق ما ثبت لديها من أدلة. وهذا الأسلوب يمنح هذه السجلات قوة توثيقية عالية، ويجعلها مصدرًا لا غنى عنه لدراسة تاريخ جدة الاقتصادي والقانوني.
ومن النتائج المهمة التي تبرزها هذه الوثائق أن فتنة جدة لم تكن مجرد حادثة أمنية أو أزمة دبلوماسية، بل كانت نقطة تحول أصابت النشاط التجاري في المدينة إصابة مباشرة. فقد تعطلت الشركات، وضاعت البضائع، وفُقدت رؤوس الأموال، وانقطعت شبكات تجارية امتدت من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط والهند، وهو ما يفسر الاهتمام البريطاني البالغ بتوثيق كل مطالبة ومراجعتها بدقة.
كما تؤكد هذه السجلات أن دراسة تاريخ المدن لا ينبغي أن تقتصر على الأحداث السياسية، لأن الوثائق الاقتصادية كثيرًا ما تحفظ ما تغفله الروايات التقليدية. فبين صفحات هذا الملف نجد أسماء أشخاص لم تذكرهم كتب التاريخ، ونكتشف بيوتًا تجارية كانت تمثل أعمدة الاقتصاد الجداوي، ونقف على طبيعة العلاقات التجارية التي ربطت الحجاز بالعالم، كما نرصد التنوع الديني والقومي الذي اتسم به المجتمع التجاري في جدة العثمانية.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذا الملف لا تكمن في مبالغ التعويضات، وإنما في أنه يعيد إلينا صورة مجتمع كامل كما كان قبل أكثر من مائة وثمانية وستين عامًا. فهو يحفظ أسماء التجار، ووكلائهم، وشركائهم، وبضائعهم، وعلاقاتهم التجارية، ويقدم مادة علمية أصيلة لإعادة كتابة تاريخ جدة الاقتصادي والاجتماعي على أسس وثائقية راسخة.
إن هذه الدراسة تمثل بداية لمشروع علمي يهدف إلى نشر وتحقيق سجل لجنة التعويضات البريطانية كاملًا باللغة العربية، ليكون في متناول الباحثين والمؤرخين. فهذه الوثائق لا تضيف تفاصيل جديدة إلى فتنة جدة فحسب، بل تعيد بناء المشهد التجاري والإنساني للمدينة في لحظة مفصلية من تاريخها، وتؤكد أن الأرشيف ما زال يخبئ صفحات قادرة على إعادة قراءة تاريخ الحجاز من منظور جديد، يعتمد على الوثيقة الأصلية قبل الرواية، وعلى الدليل قبل الاستنتاج.
وإذا كانت كتب التاريخ قد روت كيف بدأت فتنة جدة، فإن سجلات التعويضات البريطانية تروي لنا كيف عاش الناس نتائجها، وكيف فقدوا تجارتهم وأموالهم وشركاءهم، وكيف حاولوا استعادة حقوقهم بوثائق ما زالت، بعد مرور أكثر من قرن ونصف، تتحدث بصوت التاريخ نفسه.
