هل الغبانة من لباس الحجاز؟ قراءة نقدية في صورة أسيء توظيفها
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
لم يكن الخلاف في المقطع المتداول عبر منصة “تيك توك” حول قطعة قماش أو طريقة لبس، وإنما حول منهج قراءة التاريخ. فالمتحدث حاول أن يثبت أن الغبانة من لباس الحجاز الأصيل، مستندًا إلى صورة تاريخية، غير أن استدلاله وقع في أخطاء تاريخية ومنهجية متتابعة، جعلت النتيجة التي انتهى إليها لا تستقيم مع قواعد البحث التاريخي.
بدأ المتحدث بعرض صورة زعم أنها آخر صورة للملك الشريف الحسين بن علي وهو مجتمع بأهل مكة قبل مغادرته الحجاز، ثم عاد في مقطع آخر وحدد تاريخها بسنة 1925م، وقرر أنها التقطت ساعة تنازل الملك الحسين عن العرش ومغادرته الحجاز. ثم انتقل من ذلك إلى القول إن الأشخاص الظاهرين فيها يلبسون الغبانة، وأن هذا دليل على أن الغبانة من لباس أهل مكة
وهنا يبدأ الخلل.
فأولًا، الصورة ليست – بحسب توثيقها – من زمن تنازل الملك الحسين عن العرش، بل هي من الصور المعروفة في أرشيف القنصلية الهولندية، وتعود إلى احتفالات إعلان الدستور العثماني سنة 1326هـ/1908م في عهد حكومة الاتحاد والترقي، أي قبل تنازل الملك الحسين بنحو ستة عشر عامًا. فإذا ثبت هذا التأريخ، فإن الصورة أُخرجت من سياقها التاريخي الحقيقي وأُسقطت على حدث آخر لا علاقة لها به.
وثانيًا، حتى لو تجاوزنا تاريخ الصورة، فإن الرواية التي ذكرها المتحدث لا تنسجم مع الوقائع التاريخية. فالملك الحسين بن علي لم يجمع أهل مكة ليعلن أمامهم تنازله عن العرش، وإنما تنازل لابنه الملك علي بن الحسين، وأُبلغ بذلك بالطريقة المعروفة في المصادر. وفي سنة 1925م لم يكن الملك الحسين مقيمًا في مكة أصلًا، بل كان قد غادرها إلى العقبة، ثم انتقل بعد ذلك إلى قبرص. ومن ثم فإن تصوير حشد في مكة سنة 1925م على أنه اجتمع حول الملك الحسين ساعة تنازله ومغادرته، لا يوافق التسلسل التاريخي للأحداث.
أما الخطأ الثالث فهو خلط المتحدث بين المعم الحجازي (العمامة) وبين الغبانة. فقد وصف الأشخاص في الصورة أولًا بأنهم يلبسون العمائم، ثم عاد في نهاية حديثه وطالب الناس بعدِّ من يلبس الغبانة، وكأن المصطلحين شيء واحد. وهذا غير صحيح؛ فالعمامة طريقة في لف غطاء الرأس، أما الغبانة فهي نوع مخصوص من القماش، وليست كل عمامة غبانة، كما أن لبس العمامة لا يدل بذاته على نوع النسيج الذي لُفت به.
ثم يأتي الخطأ الرابع، وهو الخلط بين وجود الزي ومنشأ الزي. فحتى لو ثبت أن الغبانة كانت تُلبس في مكة، فإن هذا لا يجعلها حجازية المنشأ. فالحجاز، بحكم وجود الحرمين الشريفين، كان عبر القرون ملتقى للحجاج والمجاورين والتجار من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ودخلت إليه أقمشة وأزياء وعادات كثيرة، واستقر بعضها في المجتمع، دون أن يغيّر ذلك من أصولها التاريخية.
والغبانة من الأقمشة التي اشتهرت صناعتها في شبه القارة الهندية، ولا سيما كشمير، ثم انتقلت عبر التجارة والحج إلى أقاليم متعددة، ومنها الحجاز واليمن وعُمان وشرق أفريقيا. ومن ثم فإن استعمالها في مكة لا يجعلها حجازية، كما أن استعمال الشال الكشميري أو الأقمشة الهندية أو السجاد الفارسي في الحجاز لم يجعل تلك الصناعات حجازية.
كما تشير بعض الصور التاريخية إلى أن الغبانة شاع استعمالها بين بعض فئات المجاورين والوافدين، وبعض أصحاب المهن والعاملين، وهو أمر ينسجم مع طبيعة مكة بوصفها مدينة عالمية استقبلت عبر القرون جماعات من أنحاء العالم الإسلامي. ولا ينتقص هذا من الحجاز ولا من هويته، بل يفسر كيف انتقلت إليه بعض الأزياء والمنسوجات.
والغريب أن بعض الخطابات المعاصرة تحاول تحويل كل ما استُعمل في الحجاز إلى جزء من الهوية الحجازية الأصيلة، مع أن المنهج التاريخي يميز دائمًا بين المنشأ والانتشار. فوجود الشيء في بلد لا يعني أنه نشأ فيه، وإلا لوجب نسبة كل السلع المستوردة إلى البلدان التي استعملتها.
ولعل أوضح مثال على ذلك المجتمع الأمريكي؛ فقد قامت الولايات المتحدة على الهجرة، ومع ذلك لا يجد الأمريكي ذو الأصل الإيطالي أو الإيرلندي أو الهندي أو المكسيكي أي حرج في الاعتزاز بأصل أسرته، مع اعتزازه الكامل بهويته الوطنية الأمريكية. فلا تعارض بين الانتماء الوطني وبين الاعتراف بالأصول التاريخية للأزياء والعادات والأسر.
أما في بعض الخطابات المتعلقة بالحجاز، فيُلاحظ أحيانًا الخلط بين الهوية والانتماء التاريخي للأشياء، حتى يصبح الاعتراف بأن زيًا أو عادة أو صناعة دخلت إلى الحجاز من خارجه وكأنه انتقاص من الحجاز، مع أن الحقيقة على العكس تمامًا؛ فالحجاز ازدهر تاريخيًا لأنه كان مركزًا عالميًا للحج والتجارة والتبادل الحضاري، وكانت قوته في قدرته على استقبال الثقافات لا في ادعاء أن كل ما وصل إليه نشأ فيه.
إن القضية في النهاية ليست: هل لبس بعض أهل مكة الغبانة؟ فهذا قد تثبته الصور والوثائق. وإنما القضية هي: هل الغبانة من الأزياء الحجازية الأصيلة، أم أنها زي وافد دخل إلى الحجاز عبر طرق التجارة والحج والمجاورة؟
والجواب عن هذا السؤال لا يكون بصورة نُسبت إلى غير زمنها، ولا بخلط العمامة بالغبانة، ولا بتعميم ما يظهر في صورة واحدة على مجتمع بأكمله، وإنما يكون بالوثائق، وتاريخ صناعة النسيج، وأرشيف الصور المؤرخة، وروايات الرحالة، وسجلات التجارة.
وهذا هو الفارق بين التاريخ والانطباع؛ فالتاريخ يقوم على التوثيق، أما الانطباع فيكفيه أن يرى صورة ثم يبني عليها هوية أمة كاملة
لمشاهدة الحلقة اضغط على الرابط التالي
https://drive.google.com/file/d/1cEl_-YHrHF8ayT9k4V_PflJ9WcuJKYHR/view?usp=drivesdk
