كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات
الدرجة الأولى: القرآن في الوجدان… والقرآن في الواقع
ليس من العدل أن يبدأ هذا الكتاب من الشكوى، ولا من الإنصاف أن يفتتح رحلته بتوجيه أصابع الاتهام إلى أمة لا يزال كتاب ربها أجل ما تعظمه، وأحب ما تحتفظ به، وأقدس ما تتناقله جيلاً بعد جيل.
بل لعل أول ما ينبغي الاعتراف به أن القرآن لا يزال يحتل في وجدان المسلمين منزلة لم يبلغها كتاب آخر في تاريخ البشرية، فهو الكتاب الوحيد الذي يعيش في صدور الناس قبل أن يعيش في مكتباتهم، والكتاب الوحيد الذي تتسابق إليه آلاف المدارس، ومئات المعاهد، وعشرات الجامعات، لا لتدرسه بوصفه وثيقة تاريخية، وإنما ليحفظ كما نزل، حرفاً حرفاً، وجيلاً بعد جيل.
وتشير تقديرات المؤسسات القرآنية في العالم الإسلامي إلى أن ملايين المسلمين يحفظون القرآن الكريم كاملاً أو أجزاءً كبيرة منه، في ظاهرة لا يعرف لها التاريخ الديني مثيلاً من حيث الاتساع والاستمرار.
ولذلك لم يكن غريباً أن يصف المستشرق البريطاني وليم جراهام القرآن بأنه النص الوحيد الذي ظل يعيش في ثقافة “الحفظ الشفهي” بالحيوية نفسها التي يعيش بها في الثقافة المكتوبة، حتى أصبح حضوره في الذاكرة الجمعية جزءاً من تكوين الأمة نفسه، لا مجرد كتاب تتعبد بتلاوته.
وهذه الحقيقة وحدها كافية لإسقاط خطاب يزعم أن المسلمين فقدوا صلتهم بالقرآن… أبدا لم يفقدوها، بل ربما لم تحتفظ أمة بكتابها كما احتفظ المسلمون بكتابهم.
فالطفل الذي يتم حفظ القرآن يصبح موضع احتفاء أسرته، والبيت الذي يرفع فيه صوت القرآن يشعر أهله بالطمأنينة، وشهر رمضان يتحول في أنحاء العالم الإسلامي إلى موسم عالمي للاستماع إلى القرآن أكثر من أي نشاط آخر، وإذا مست يد عابثة مصحفاً في أقصى الأرض، اضطربت مشاعر المسلمين في أقصاها الآخر.
كل ذلك يقول شيئاً واحداً وهو أن القرآن ما زال يسكن الوجدان الجمعي للأمة إن صح التعبير، ولكن… وهنا تبدأ المفارقة التي من أجلها كتب هذا الفصل: هل يسكن الحياة بالقدر نفسه؟
إن الفرق كبير بين أن يحتل القرآن مكانة في ضمير الأمة، وأن يحتل المكانة نفسها في صناعة رؤيتها، فالوجدان شيء، والقيادة شيء آخر.
قد يحب إنسان طبيبه ثم لا يعمل بوصفة واحدة من وصفاته، وقد يعظم أستاذه، ثم يبني حياته كلها على أفكار غيره، وكذلك قد يعظم المسلم القرآن تعظيماً صادقاً… ثم تكون المرجعيات التي تشكل رؤيته وتوجه اختياراته وتصنع تفسيره للعالم، قادمة من أماكن أخرى.
ولذلك لا يبدأ هذا الكتاب بالسؤال: هل نحب القرآن؟؛ لأن الجواب يكاد يكون محسوماً، ولا يبدأ بالسؤال: هل نحفظ القرآن؟؛ لأن الواقع يشهد بأن الأمة ما زالت تبذل في حفظه ما لم تبذله أمة مع كتابها، وإنما يبدأ بسؤال آخر، هل ما زال القرآن هو الذي يبني طريقة تفكيرنا؟… هنا فقط يبدأ موضع البحث.
لقد لفت مالك بن نبي النظر إلى أن أخطر ما يصيب الأفكار ليس أن تُرفض، وإنما أن تتحول إلى أشياء تُحترم دون أن تُحرّك الحياة، ولم يكن يتحدث عن القرآن نفسه، وإنما عن طريقة تعامل الأمة معه، حين يصبح مصدر بركة روحية أكثر من كونه قوة مغيرة للإنسان والتاريخ.
ويقترب أستاذنا د. طه جابر العلواني من المعنى نفسه حين يقرر أن أزمة المسلمين لم تكن في فقدان النص أو تحريفه كمن سبقها، وإنما في تراجع مركزية القرآن في بناء العقل المسلم، حتى أصبحت علاقتهم به في كثير من الأحيان علاقة تبرك واستشهاد، أكثر منها علاقة تأسيس وقيادة.
وليس المقصود الآن مناقشة هذه الرؤى، ولا الحكم عليها، ولا حتى إثباتها، بل يكفينا أن نتوقف أمام سؤالها، لأن السؤال الصحيح نصف الطريق إلى الجواب الصحيح.
ولهذا لن أقدم في هذه الدرجة تفسيراً للأزمة، ولن أتحدث عن الحجب التي صنعناها بيننا وبينه، ولن أذكر كيف تلقى الصحابة القرآن، ولن أستبق الفصول القادمة، بل سأكتفي بإقامة المفارقة التي سيقوم عليها هذا الكتاب كله: إذا كان القرآن حاضراً في وجدان الأمة بهذا الرسوخ… فلماذا لا يبدو حضوره بالعمق نفسه في تشكيل الإنسان الذي أراد الله أن يصنعه بالقرآن؟.
هذا هو السؤال الأول، وهو سؤال لا ينتظر منك الآن جواباً، بل ينتظر منك أن تبقى معه قليلاً، حتى إذا انتقلنا إلى الدرجة التالية، لم يعد السؤال: كم نقرأ القرآن؟، بل أصبح: إذا كان القرآن حاضرا بهذا العمق… فلماذا لا يترك الأثر نفسه في الإنسان؟
(نص من بداية الفصل الأول لكتابنا عن القرآن، والذي لم نستقر على اسمه بعد 😊)