مرتكزات النظام الحاكم للهندسة القرآنية للعلاقات الاجتماعية:

كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات 

حين يبدأ القرآن الحديث عن العلاقات الإنسانية، لا يبدأ من الزوج والزوجة، ولا من الأب والابن، ولا من الحاكم والمحكوم، ولا من الجار وصاحب العمل. فهذه كلها صور للعلاقة، وليست أصلها.

أما الأصل، فهو أن ينشئ القرآن نظامًا حاكمًا، تنتظم داخله كل هذه الصور، حتى إذا اختلفت الأدوار، لم تختلف المبادئ، وإذا تنوعت المسؤوليات، بقيت الروح واحدة.

ولهذا لا يفاجئنا القرآن منذ أول صفحة فيه بتفصيل الأحكام، وإنما يربينا أولًا على رؤية الإنسان الذي سنرتبط به، فالذي يقف أمامك ليس مجرد زوج أو زوجة، ولا قريب أو بعيد، ولا مؤمن أو مخالف، بل هو إنسان أراد الله أن تقوم العلاقة معه على ميزان لا يتغير بتغير الأشخاص ولا بتبدل المصالح.

ومن هنا، فإن السؤال الأول الذي يجيب عنه القرآن ليس: كيف نتعامل مع الناس؟ وإنما: على أي أرض تقف كل علاقة إنسانية؟ وما النظام الذي يحكمها قبل أن تتوزع فيه الأدوار وتتنوع فيه المسؤوليات؟

ولعل أول ما يلفت النظر أن القرآن لا يختار كلمة واحدة لتكون عنوانًا لهذا النظام، بل يبث مفرداته في آياته كلها، حتى إذا جمعها القارئ، وجد نفسه أمام دستور كامل للعلاقات، لا أمام مواعظ متناثرة.

وأول مرتكز يطل من بين الآيات هو أن العلاقة في القرآن ليست علاقة قوة، وإنما علاقة تكريم.

ولذلك لم يبدأ القرآن بتكريم المؤمنين، ولا المسلمين، ولا الرجال، ولا النساء، وإنما أعلن الحقيقة الكبرى التي يقف عليها البناء كله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ فلم يجعل الكرامة جائزة على الإيمان، ولا مكافأة على الصلاح، وإنما جعلها نقطة البداية التي ينطلق منها التعامل مع الإنسان.

ولذلك تتوالى الآيات بعد ذلك وكأنها تحرس هذا التكريم من كل ما يعتدي عليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، ثم: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ثم: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، ثم: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾، ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.

وكأن القرآن لا يتعامل مع هذه الأفعال باعتبارها ذنوبًا منفصلة، وإنما باعتبارها اعتداءات متكررة على الكرامة الإنسانية التي أعلنها في البداية، وهنا تبدأ العلاقات في القرآن من حيث تبدأ قيمة الإنسان، لا من حيث تبدأ مصلحتك معه.

ثم ينتقل القرآن انتقالًا هادئًا إلى المرتكز الثاني، فلا يجعل الحب أساس العلاقات كما تفعل كثير من الفلسفات الإنسانية، بل يجعل العدل هو الأرض التي لا يجوز النزول عنها، حتى عندما يغيب الحب، بل حتى عندما يحضر البغض.

فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، إنها من أعجب الآيات في بناء العلاقات، فالقرآن يعلم أن القلوب تتغير، وأن النفوس قد تميل أو تنفر، لكنه يرفض أن تتحول مشاعر الإنسان إلى ميزان للحقوق.

قد تحب لكن لا يجوز أن يجرك الحب إلى الظلم، وقد تكره لكن لا يجوز أن يقودك الكره إلى الظلم، فالعدل ليس ثمرة للعاطفة، وإنما هو تكليف سابق عليها، ولهذا سنجد هذا المرتكز حاضرًا في كل العلاقات؛ في الزوجية، وفي الطلاق، وفي الشهادة، وفي القضاء، وفي المال، وفي الخصومة، لأن القرآن لا يبني علاقة ناجحة بالعاطفة وحدها، وإنما يبنيها أولًا بالميزان.

لكن القرآن لا يريد للإنسان أن يقف عند حدود العدل، فالعدل يمنع الظلم، أما الإحسان فيصنع الحياة، ولهذا، ما إن يقرر القرآن الحقوق، حتى يفتح بابًا أوسع منها،﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾،وكأن العدل هو الحد الذي لا يجوز النزول عنه، أما الإحسان فهو الأفق الذي ينبغي أن تتطلع إليه النفوس.

ومن هنا تصبح الرحمة، والعفو، والصفح، والإيثار، ولين القول، وكظم الغيظ، ليست أعمالًا إضافية، بل وسائل يرتقي بها الإنسان من مجرد علاقة عادلة إلى علاقة تُحيي القلوب.

ولعل أكثر مفردات القرآن إثارة للتأمل في هذا الباب كلمة واحدة تتكرر في مواضع متباعدة، حتى يبدو للقارئ لأول وهلة أنها تكرار لفظي، فإذا هي خيط دقيق يشد البناء كله بعضه إلى بعض.

إنها كلمة المعروف، فالقرآن لا يكتفي بالأمر بالعدل، بل يجعل المعروف هو المناخ الذي تتنفس فيه العلاقات، فمرة يقول في الحياة الزوجية: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ثم يقول عند الطلاق: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ويقول في النفقة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾،ثم يجعل المعروف ميزانًا عامًا حين يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

وكأن القرآن يرفض أن تتحول العلاقة إلى مواد قانونية جامدة، فيترك مساحة واسعة لما استقر في الفطرة السليمة، والعرف المستقيم، والذوق الأخلاقي، حتى تبقى العلاقة إنسانية، لا ميكانيكية.

(نص من كتابنا المقبل إن شاء الله)

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *