المناظرات العلنية مع الملاحدة وأهل البدع هل هي من الدعوة إلى الله

الدكتور/ فهد بن محمد بن حمد السليِّم 

عميد كلية أصول الدين سابقاً 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا

أحسن الله إليكم

المناظرات العلنية مع الملاحدة وأهل البدع

هل هي من الدعوة إلى الله

وهل السلف كانوا يفعلون هذا

وهل يُنصح بها في وقتنا هذا في المجامع العامة أو في القنوات عبر البثوث المباشرة

أفيدونا مأجورين شيخنا

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأحسن الله إليكم وبارك فيكم ونفع بكم.

مسألة المناظرات العلنية مع الملاحدة وأهل البدع عبر البثوث المباشرة والقنوات والمجامع العامة من المسائل النازلة المهمة، وللعلماء المحققين فيها تفصيل دقيق يوازن بين المصالح والمفاسد.

إليك الجواب مفصلاً عن أسئلتك:

هل هي من الدعوة إلى الله؟المناظرة في أصلها قد تكون من الدعوة إلى الله إذا استوفت شروطها الشرعية، ودخلت في باب “المجادلة بالتي هي أحسن” لإحقاق الحق وإبطال الباطل، كما قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

لكنها تصبح وسيلة ممنوعة وضارة إذا تحولت إلى مجرد مغالبات شخصية، أو كانت سبباً في نشر الشبهات وتشكيك عامة المسلمين في دينهم.

هل كان السلف الصالح يفعلون ذلك؟

منهج السلف العام هو الإعراض عن أهل البدع والضلال وعدم مجالستهم أو مناظرتهم، حرصاً على سلامة القلوب؛ لأن الشبهات خطافة والقلوب ضعيفة. وكانوا يقولون: “من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل”.

ومع ذلك، ثبت عن بعض السلف وعلماء الأمة مناظرة أهل البدع والضلال في حالات خاصة وضمن ضوابط محددة، ومن أمثلة ذلك:

مناظرة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما للخوارج، والتي رجع بسببها آلاف منهم إلى الحق.

مناظرات الإمام أحمد بن حنبل للجهمية في فتنة خلق القرآن؛ لدفع الصائل عن الدين بعد أن تبنت الدولة البدعة وألزمت الناس بها.

مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل البدع ، حيث كان يضطر للمناظرة لكشف عوارهم بعد أن أضلوا كثيراً من العامة.

فالسلف لم يكونوا يبتدئون المناظرات طلباً للشهرة أو التسلية، بل كانوا يفرون منها، فإذا عظم الخطب واضطروا إليها لإحقاق الحق وكان المناظر أهلاً لها، ناظروا.

هل يُنصح بها في وقتنا هذا في البثوث المباشرة والمجامع العامة؟

لا يُنصح بها على الإطلاق لعامة الناس، ويُحذر العلماء المحققون من فوضى المناظرات الحاصلة اليوم في الفضاء الرقمي (كمنصات البث المباشر)، وذلك للمفاسد العظيمة المترتبة عليها، ومنها:

نشر الشبهات: البث المباشر يحضره العامي، والجاهل، والصغير، وطالب العلم المبتدئ. وطرح شبهة إلحادية قوية قد يستقر في قلب المشاهد دون أن يستوعب الرد العلمي عليها، فيكون الهدم أسرع من البناء.

إظهار أهل الباطل بمظهر الأنداد: فتح المنصات للملاحدة يعطيهم منصة مجانية لنشر كفرهم وضلالهم، ويجعلهم في نظر العامة أنداداً لعلماء الشريعة.

عدم الأهلية الشرعية: كثير ممن يتصدرون لهذه المناظرات اليوم في البثوث هم من الشباب المتحمسين الذين يملكون غيرة على الدين لكنهم لا يملكون رسوخاً علمياً كافياً في العقيدة والفقه واللغة، فيعجزون عن الرد، فيظهر الإسلام بمظهر الضعيف بسبب عجز المناظر، لا لقصور في الحق.

طبيعة المنصات الرقمية: البثوث المباشرة قائمة على المقاطعة، والصراخ، وتأجيج الجماهير، والبحث عن “المشاهدات”، وهي بيئة لا تسمح بتحقيق علمي رصين، بل تنتهي غالباً بمشاحنات وتشويه لصورة المتدينين.

الخلاصة والبديل الشرعي:

النصيحة التي يوجهها كبار العلماء اليوم هي التحذير من هذه المناظرات العلنية الفوضوية. والبديل الشرعي النافع هو:

الرد الموضوعي دون ذكر الشبهة: أن يقوم العالم أو طالب العلم الراسخ بتأصيل العقيدة الصحيحة، والرد على الأفكار الإلحادية في مقاطع أو كتب أو دروس مؤصلة، دون الحاجة لاستضافة الملحد أو إعطائه منصة للتحدث.

المناظرة الخاصة: إذا كان هناك ملحد يطلب الحق بصدق، فيُناظر سرّاً في مجالس مغلقة مع العلماء الراسخين لإزالة شبهاته، دون إشراك العامة في ذلك.

منقول

وفق الله الجميع

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *