الرد على من يقول إن الألباني مرجئ . فإن الرد العلمي على هذا الادعاء يقوم على مناقشة محورين رئيسيين في عقيدة أهل السنة والجماعة، وبيان حقيقة موقف الشيخ الألباني منها

الدكتور/ فهد بن محمد بن حمد السليِّم 

عميد كلية أصول الدين سابقاً 

 الرد على من يقول إن الألباني مرجئ .

‏بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه وبعد

فإن الرد العلمي على هذا الادعاء يقوم على مناقشة محورين رئيسيين في عقيدة أهل السنة والجماعة، وبيان حقيقة موقف الشيخ الألباني منها

أولاً: مسألة (شرط صحة) و(شرط كمال) في العمل

 موقف أهل السنة: عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان “قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية”. والعمل عندهم جزء وركن من مسمى الإيمان، وليس مجرد شرط كمال زائد.

 تحرير النزاع في العبارة: اصطلاح “شرط صحة” و”شرط كمال” اصطلاح حادث لم يكن مستخدماً عند سلف الأمة الأولين بالمعنى المعاصر. ولذلك أنكر عدد من العلماء (ومنهم الشيخ الألباني نفسه في بعض أشرطته وكتاباته) الخوض في هذا التقسيم الحادث، مؤكدين أن الجوارح لا ينفع عملها بلا إيمان القلب، ولا يصح إيمان القلب بلا عمل الجوارح جنساً.

 عقيدة الشيخ الألباني: يُقر الشيخ الألباني رحمه الله صراحة بأن العمل من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، ويكفّر من ترك العمل بالكلية (تارك جنس العمل)، ولكنه يوافق جماهير المحققين في أن آحاد الأعمال (غير الصلاة عند من يرى كفر تاركها) لا يكفر تاركها بمجرد الترك ما لم يستحلّ أو يقترن ذلك بالاستكبار والإنكار.

ثانياً: مسألة الكفر بالقتال أو الحكم بغير ما أنزل الله (الكفر الاعتقادي والعملي)

 التفريق بين الكفر الأصغر والأكبر: المقرر عند السلف (كابن عباس، وابن جرير الطبري، والقرطبي، وابن تيمية، وابن القيم) أن الحكم بغير ما أنزل الله منه ما هو “كفر دون كفر” (كفر عملي لا يخرج من الملة) إذا كان مع الإقرار بوجوب حكم الله ولكن غلبه الهوى أو الرشوة ونحو ذلك،

ومنه ما هو كفر أكبر يخرج من الملة إذا كان استحلالاً، أو جحودا، أو تفضيلاً للقوانين الوضعية على شريعة الله.

 موافقة الألباني للسلف: نقل الشيخ الألباني في تقريره لهذه المسألة هو عين ما قرره الإمام الطبري والأئمة النجديون وغيرهم من علماء أهل السنة، حيث وجّهوا حديث ابن عباس “كفر دون كفر” إلى أن الكفر الناقل عن الملة في باب الحكم بغير ما أنزل الله يرتبط بالاستحلال القلبي والتكذيب أو الاعتقاد.

ثالثاً: دفع تهمة الإرجاء عن الشيخ الألباني

 شهادة كبار العلماء: برّأ كبار علماء العصر الشيخ الألباني من تهمة الإرجاء؛ فقد سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ صالح الفوزان عن رمي الألباني بالإرجاء، فأجمعوا على أن الشيخ الألباني من أئمة أهل السنة في الحديث والعقيدة، وأن من يتهمه بالإرجاء إما أنه لا يعرف عقيدة الألباني، وإما أنه لا يعرف عقيدة المرجئة.

 مباينة الألباني للمرجئة: المرجئة يُخرجون العمل بالكلية عن مسمى الإيمان ويقولون “لا يضر مع الإيمان ذنب”، بينما الشيخ الألباني يثبت أن العمل من الإيمان، وأن الإيمان ينقص بالمعصية حتى لا يبقى منه إلا أدنى مثقال ذرة، وهو ما يخالف عقيدة المرجئة بالكلية.

والمرجئة يقولون الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ والألباني رحمه الله يقول : الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .

وفقنا الله جميعا وهدانا

اللهم آمين

رد آخر

 الرد على من يقول إن الألباني مرجئ .

الرد على من يرمي الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني (رحمه الله) بالإرجاء يكون بالدليل العلمي المنصف من كلامه المكتوب والمسموع،

وبيان أن ما وقع فيه هو اختلاف في “العبارة والاصطلاح” لا في “أصل العقيدة”، مع التمسك بالمنهج العادل الذي يزن عالم الأمة بمجموع مواقفه لا بكلمة مجملة.

إليك أبرز أوجه الرد المنهجية على هذه الشبهة:

عقيدة الألباني الصريحة في تعريف الإيمان:

المرجئة يخرجون العمل عن مسمى الإيمان، أما الشيخ الألباني فكان يقرر في عامة كتبه عقيدة السلف الصالح بحرفيتها.

كان يردد دائماً: “الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية”.

هذا التصريح يهدم أصل الإرجاء؛ لأن المرجئة لا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه .

محاربته الصريحة للمرجئة:

كان الشيخ الألباني من أشد العلماء رداً على غلاة المرجئة (مثل مرجئة الجهمية والماتريدية والأشاعرة وغيرهم) الذين يقولون إن الإيمان هو مجرد المعرفة أو التصديق القلبي.

قال رحمه الله في “السلسلة الصحيحة”: “والإيمان بدون عمل لا يفيد، فالله عز وجل لما يذكر الإيمان يذكره مقروناً بالعمل الصالح، لأننا لا نتصور إيماناً بدون عمل إلا إذا كان إيماناً جغرافياً كإيمان بعض البلاد اليوم!” وهذا صريح في نفي الإرجاء.

منشأ الشبهة (مسألة العمل: شرط كمال أم شرط صحة؟):

إن سبب اتهام البعض له بالإرجاء يعود إلى مسألة: “هل يكفر تارك جنس العمل بالكلية (أي الذي لم يعمل خيراً قط مع قدرته)؟

“الشيخ الألباني يرى أن العمل شرط كمال (واجب) في الإيمان، وليس شرط صحة؛ بمعنى أن من ترك العمل بالكلية كَسَلاً وتقصيراً مع إقراره بالشهادتين وتصديقه بقلبه، فهو عاصٍ تحت المشيئة وليس كافراً خارجاً من الملة.

هذا الرأي للشيخ الألباني، وإن خالف فيه قطاعاً واسعاً من علماء أهل السنة الذين يرون أن ترك جنس العمل كفر مخرج من الملة (شرط صحة)، إلا أنه قول سائغ قال به أئمة كبار من السلف والخلف (كالإمام أحمد في رواية، والإمام الشافعي في ظاهر مذهبه، وغيرهم). فلم يُعدَّ هؤلاء الأئمة مرجئة؛ لأنهم يعاقبون تارك العمل ويدخلونه النار بالوعيد، بخلاف المرجئة الذين يقولون: “لا يضر مع الإيمان ذنب”.

شهادة كبار علماء العصر له بالبراءة من الإرجاء:

شهد له أقرانه من أكابر علماء أهل السنة والجماعة بالعقيدة السليمة، ومنهم:

الشيخ عبد العزيز بن باز (رحمه الله): لما سُئل عمن يرمي الألباني بالإرجاء قال: “الشيخ ناصر الدين الألباني من إخواننا المعروفين، حسن العقيدة، وسيرته حسنة، ومستقيم على التوحيد.. لكنه قد يخطئ في بعض المسائل كغيره من العلماء.. والقول بأنه مرجئ قول باطل”.

الشيخ محمد بن صالح العثيمين (رحمه الله): قال: “من رمى الشيخ الألباني بالإرجاء فقد أخطأ؛ إما لأنه لا يعرف الألباني، وإما لأنه لا يعرف الإرجاء. الألباني رجل من أهل السنة -رحمه الله- ومدافع عنها، وإمام في الحديث، ولا نعلم أن أحداً يجاريه في عصرنا، ولكن بعض الناس -نسأل الله العافية- يكون في قلبه حقد، إذا رأى من طار ذكره في الآفاق أخذ يلمزه بشيء”.

الاستدلال بحديث الشفاعة:

كان الشيخ الألباني يرتكز في رأيه على أدلة واضحة من السنة، منها حديث الشفاعة الثابت في الصحيح، حيث يقول الله تعالى في آخره: (شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط). فكان الشيخ يقول: كيف يكون مرجئاً من يستدل بنص حديث رسول الله ﷺ؟

خلاصة الأمر:

الشيخ الألباني سلفي العقيدة والأثر، وما حصل منه في مسألة العمل هو اختيار فقهي تتبعي تدعمه بعض النصوص، وليس تبنياً لأصول المرجئة البدعية. والمنصف يرى أن رمي إمام خدم السنة طوال حياته بالإرجاء هو مسلك فيه الكثير من الإجحاف والجهل بمقالات العلماء.

وفق الله الجميع

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *