«الحوت الضخم».. حكاية المصري كيبورك يعقوبيان الذي تسلل إلى قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية

كتب دكتور/ شريف الجندي 

في صفحات تاريخ العمل الاستخباراتي المصري، تبرز قصص عديدة ارتبطت بعمليات شديدة التعقيد، اعتمدت على التخفي وبناء هويات جديدة وجمع المعلومات من داخل مناطق حساسة. ومن بين هذه القصص حكاية المصري من أصول أرمينية كيبورك يعقوبيان، الذي ارتبط اسمه بعملية تجسس داخل إسرائيل عُرفت في بعض الروايات باسم «الحوت الضخم».

من التصوير إلى عالم الاستخبارات

وُلد كيبورك يعقوبيان في مصر عام 1938 لأسرة أرمينية، وتغيرت ظروف حياته بشكل كبير بعد وفاة والده، حيث أصبح مسؤولًا عن إعالة أسرته، فاتجه إلى العمل في مجال التصوير.

ورغم عدم استكماله تعليمه، امتلك قدرات لغوية مميزة، إذ كان يجيد عدة لغات إلى جانب العربية، من بينها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والتركية، وهي مهارات ساعدته لاحقًا في أداء المهمة التي أُسندت إليه.

وبحسب الروايات المتداولة حول القضية، جرى اختياره للعمل مع المخابرات المصرية، وبدأت عملية إعداد طويلة هدفت إلى بناء شخصية جديدة يمكنها الاندماج داخل المجتمع الإسرائيلي دون إثارة الشبهات.

هوية جديدة ورحلة إلى إسرائيل

ضمن خطة الإعداد، جرى إعداد هوية جديدة ليعقوبيان باسم «يتسحاق كوتشك»، مع تقديمه باعتباره يهوديًا مولودًا في اليونان.

وتشير الروايات المنشورة عن القضية إلى أنه سافر إلى البرازيل عام 1960، وأقام فترة بين أفراد الجالية اليهودية في مدينة ساو باولو، قبل أن يتوجه لاحقًا إلى الوكالة اليهودية طالبًا الهجرة إلى إسرائيل.

وبعد الموافقة على طلبه، انتقل إلى إسرائيل، حيث بدأ مرحلة جديدة من حياته تحت هويته المستعارة.

داخل الجيش الإسرائيلي

بعد وصوله إلى إسرائيل، أقام في أحد الكيبوتسات، وبدأ في تعلم اللغة العبرية والاندماج في المجتمع المحيط به.

وبحسب ما ورد في المصادر التي تناولت القضية، التحق بالجيش الإسرائيلي وخضع للتدريب في مجال قيادة المركبات الثقيلة، ثم عمل في قطاع النقل داخل إحدى القواعد العسكرية.

ومع مرور الوقت، أتاح له عمله الوصول إلى مواقع وشخصيات عسكرية، كما تولى مهمة قيادة سيارة أحد الضباط الإسرائيليين، وهو ما منح نشاطه الاستخباراتي مساحة أكبر للحركة وجمع المعلومات.

واستفاد يعقوبيان كذلك من خبرته السابقة في التصوير، وفق الروايات المتعلقة بالقضية، في توثيق بعض المواقع والمنشآت ذات الأهمية العسكرية، وإرسال المعلومات التي جمعها إلى الجانب المصري.

اكتشاف النشاط والقبض عليه

استمرت مهمته لفترة قبل أن تتمكن أجهزة الأمن الإسرائيلية من اكتشاف هويته الحقيقية، ليتم القبض عليه ومحاكمته أمام محكمة عسكرية إسرائيلية.

وأثارت القضية اهتمامًا واسعًا في إسرائيل، خاصة بعدما تبين أن الشخص الذي كان يعمل في مواقع مرتبطة بالمؤسسة العسكرية لم يكن الشخص الذي قدم نفسه بهويته الإسرائيلية، وإنما كان يعمل لحساب المخابرات المصرية.

وتناولت الصحافة الإسرائيلية القضية في ذلك الوقت، وارتبط اسمه بتعبير «الحوت الضخم» في بعض التغطيات والروايات التي تحدثت عن خطورة المعلومات التي تمكن من جمعها.

صفقة تبادل أعادته إلى مصر

بحسب الروايات المتداولة حول القضية، صدر بحقه حكم بالسجن لمدة 18 عامًا، إلا أن فترة بقائه في السجن لم تستمر طوال مدة الحكم.

وفي 29 أبريل 1966، جرت عملية تبادل أدت إلى عودة كيبورك يعقوبيان إلى مصر، مقابل ثلاثة إسرائيليين كانوا قد دخلوا الأراضي المصرية بصورة غير قانونية، وفق ما تذكره الروايات المنشورة عن الواقعة.

وتشير المصادر نفسها إلى أن الصفقة شملت كذلك الإفراج عن فلسطينيين كانا محتجزين لدى الجانب الإسرائيلي على خلفية نشاط فدائي.

وبذلك انتهت واحدة من أكثر القضايا الاستخباراتية إثارة للاهتمام في تلك الفترة، وعاد يعقوبيان إلى مصر بعد سنوات من العمل السري.

قصة استخباراتية بقيت حاضرة في الذاكرة

تظل قصة كيبورك يعقوبيان من الروايات التي تستوقف المهتمين بتاريخ أجهزة الاستخبارات، ليس فقط بسبب طبيعة المهمة، وإنما أيضًا بسبب اعتمادها على بناء هوية كاملة والاندماج داخل مجتمع الدولة المستهدفة، والوصول إلى مواقع لم يكن من السهل الوصول إليها بصورة مباشرة.

ومع ذلك، فإن تفاصيل بعض مراحل القصة وأسماء المشاركين فيها تختلف بين الروايات والمصادر المنشورة، لذلك من المهم التمييز بين الوقائع التي توثقها المصادر التاريخية وبين التفاصيل التي تناقلتها الكتب والمواقع بصورة متفاوتة.

وتبقى القصة، في إطارها التاريخي، واحدة من الحكايات التي ارتبطت بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي والعمل الاستخباراتي خلال تلك الحقبة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *