«صلّوا على النبي»… مفتاح التكافل وحفظ الكرامة في الحجاز
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
في أجواء استضافة مدينة جدة بطولة كأس الخليج، وخلال تجوال الإعلاميين في جدة التاريخية، سجّل فريق قناة «الكاس» حوارات مع أصحاب المتاجر، فاستوقفت المذيعَ ممارسةٌ اجتماعية تكافلية تحمل معنى عميقًا من معاني الرحمة: «خبز بالصلاة على النبي».
ففي الحوار مع صاحب «فرن الشيخ»، برزت هذه العبارة مفتاحًا متعارفًا عليه بين المحتاج وصاحب المتجر؛ يدخل من لا يملك ثمن الخبز، ويقول: «صلّوا على النبي»، فيُعطى حاجته دون ثمن، ودون أن يُضطر إلى إعلان فقره أو شرح ظروفه أمام الناس. وبحسب شهادة المتحدث، فإن هذا العرف معروف في محلات الحجاز، تُقضى به الحاجة وتُصان به كرامة صاحبها.
لقد تفاجأ المذيع بما يعرفه أهل السوق ويمارسونه؛ فالصلاة على النبي، صلوات الله عليه وآله، حاضرة هنا في صميم العلاقة بين الناس، وعبارة الذكر تحمل دلالة يفهمها الطرفان: أحدهما يسأل بلطف، والآخر يمنح برفق، وتبقى حاجة الإنسان مستورةً في رحاب المحبة النبوية.
وفي هذا المعنى نستحضر حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه، حين قال للنبي: «أجعل لك صلاتي كلها»، فقال: «إذًا تُكفى همَّك، ويُغفر لك ذنبُك»؛ رواه الترمذي. فالحديث يبيّن فضل الصلاة عليه، وهذه الممارسة الاجتماعية تستلهم ذلك المعنى، وتجعل من المحبة باعثًا على الإحسان وقضاء حوائج الناس، دون أن ننسب صورتها التفصيلية إلى نص الحديث.
وهنا تتجلى دقة الحس الاجتماعي؛ فحفظ كرامة المحتاج جزء من إطعامه، وطريقة تقديم الرغيف قد تترك في نفسه أثرًا لا يقل عن أثر الشبع. لقد جعل أهل هذا العرف للصلاة على النبي حضورًا عمليًا في سوقهم، يجتمع عنده الذكر والبذل، وتلتقي فيه حاجة الفقير بكرم القادر.
وهذا مما يستحق التوثيق في تراث الحجاز الاجتماعي؛ فجدة التاريخية تحتفظ، إلى جانب عمارتها وأسواقها، بأخلاقٍ حية ترويها معاملات أهلها. وقد كشفت عدسة إعلامية جاءت في مناسبة رياضية عن واحدة من أجمل هذه المعاني: أن يقول المحتاج «صلّوا على النبي»، فيجد من يسمع حاجته في العبارة، ويمنحه الخبز ويحفظ له كرامته.
لمشاهدة الحلقة اضغط على الرابط التالي
https://drive.google.com/file/d/1RhUOErLhyZbYIQW_i3E86tNWNt0qGdoD/view?usp=drivesdk
