كتب دكتور/ شريف الجندي
في مطلع سورة الطور، تتابعت مجموعة من الأقسام القرآنية التي لفتت أنظار المفسرين والباحثين عبر القرون، بدءًا من قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾، ثم يأتي جواب القسم: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾.
وتظل عبارة «والبحر المسجور» من أكثر العبارات إثارة للتأمل، لما تحمله كلمة «المسجور» من دلالات لغوية متعددة، وما تكشفه علوم البحار الحديثة عن عالم معقد في أعماق المحيطات، حيث تلتقي المياه بظواهر جيولوجية وحرارية شديدة التعقيد.
ماذا تعني كلمة «المسجور»؟
تعود كلمة «المسجور» إلى الجذر العربي «سَجَرَ»، وهو من الألفاظ التي وردت لها معانٍ متعددة في كتب اللغة والتفسير.
ومن أبرز دلالاتها: الإيقاد والاشتعال، والملء، والمنع أو الحبس، بحسب السياق اللغوي الذي ترد فيه الكلمة.
ولهذا تعددت أقوال المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾؛ فوردت تفسيرات تتصل بامتلاء البحر، وأخرى تتعلق بإيقاده أو تسجيره، وأخرى بمعنى حجز مائه ومنعه من تجاوز حدوده.
وهذه التعددية في الدلالة هي التي جعلت الآية محل تدبر وتأمل طويل لدى علماء التفسير واللغة.
أعماق المحيطات.. عالم من النار والماء
تكشف علوم الأرض الحديثة أن قاع المحيطات ليس سطحًا مستويًا كما قد يبدو للإنسان من أعلى، وإنما يحتوي على سلاسل جبلية هائلة وصدوع ومناطق نشطة جيولوجيًا، من أبرزها حواف منتصف المحيطات، حيث تتصاعد مواد شديدة الحرارة من باطن الأرض وتشارك في تكوين قشرة محيطية جديدة.
كما اكتشف العلماء حول بعض الفتحات الحرارية المائية في أعماق البحار بيئات شديدة الحرارة والضغط، تُعرف باسم الفتحات الحرارية المائية، وهي من أكثر البيئات الجيولوجية إثارة للاهتمام على كوكب الأرض.
وفي هذه المناطق، تندفع سوائل حارة محملة بالمعادن من باطن القشرة الأرضية إلى مياه المحيط الباردة نسبيًا، لتنشأ ظواهر طبيعية فريدة تجمع بين الحرارة الشديدة والمياه والضغط الهائل.
هل يعني ذلك أن البحر يغلي بالكامل؟
هنا تبرز أهمية الدقة العلمية.
فوجود نشاط بركاني وفتحات حرارية شديدة الحرارة في قاع المحيطات لا يعني أن مياه المحيط بأكملها تغلي، ولا يعني أن قاع كل المحيطات عبارة عن حمم مكشوفة تحت الماء.
فالضغط الهائل في الأعماق يرفع درجة غليان الماء، كما أن الظروف الفيزيائية والكيميائية تختلف بصورة كبيرة من مكان إلى آخر. وفي بعض الفتحات الحرارية يمكن أن تصل درجات حرارة السوائل الخارجة منها إلى مئات الدرجات المئوية، بينما تبقى المياه المحيطة بها أبرد بكثير.
وهذا العالم المدهش من الماء والحرارة والضغط والنشاط الجيولوجي يفتح مجالًا واسعًا للتأمل في التعبير القرآني: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾.
بين التفسير القرآني والاكتشاف العلمي
يربط بعض الكتّاب والباحثين بين مفهوم «البحر المسجور» وبين ما اكتشفه العلم الحديث من النشاط الحراري والبركاني في أعماق المحيطات، ويرون في ذلك صورة تستحق التأمل.
لكن من المهم التفريق بين التفسير القرآني الثابت وبين محاولات إسقاط الاكتشافات العلمية الحديثة على الآيات.
فالقرآن الكريم لم يأتِ بوصف تفصيلي لآليات النشاط البركاني في قاع المحيط، كما أن المفسرين الأوائل لم يتحدثوا بمصطلحات علوم الأرض الحديثة. ولذلك فإن الربط بين «البحر المسجور» والفتحات الحرارية المائية يمكن عرضه باعتباره وجهًا من وجوه التدبر والمقارنة، لا باعتباره حقيقة علمية حاسمة اتفق عليها المفسرون والعلماء.
لماذا جاء القسم بالبحر المسجور؟
يأتي ذكر البحر المسجور ضمن سلسلة من الأقسام في بداية سورة الطور، ثم يعقبه مباشرة تقرير شديد القوة:
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾.
وهنا يظهر السياق الأساسي للآيات: التأكيد على حقيقة وقوع ما أنذر الله به المكذبين.
فالآيات تنتقل بين مشاهد عظيمة: الطور، والكتاب، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور، ثم يأتي جواب القسم ليقرر حقيقة لا يستطيع أحد دفعها.
ومن هذه الزاوية، فإن «البحر المسجور» ليس مجرد وصف جغرافي، بل جزء من بناء قرآني متكامل يستحضر مظاهر عظيمة من خلق الله قبل الانتقال إلى القضية التي تؤكدها السورة.
الماء والنار في أعماق الأرض
تكشف الدراسات الجيولوجية أن كوكب الأرض يحمل في أعماقه طاقة هائلة، وأن مياه المحيطات تتفاعل بصورة مستمرة مع النشاط الجيولوجي في قاعها.
وفي مناطق الفتحات الحرارية المائية، تتعرض المياه لضغوط هائلة ودرجات حرارة مرتفعة، وتخرج سوائل محملة بالمعادن والمواد الكيميائية من باطن القشرة الأرضية.
وهذه الظواهر لم تكن معروفة للإنسان بالصورة العلمية الحديثة قبل تطور تقنيات الغوص والاستكشاف البحري والمركبات التي تستطيع الوصول إلى الأعماق السحيقة.
ومع ذلك، فإن ربط هذه الاكتشافات مباشرة بآية «البحر المسجور» يظل قراءة معاصرة للآية، وليس تفسيرًا وحيدًا لها.
كلمة واحدة.. ومساحة واسعة للتأمل
ربما تكمن جمالية التعبير القرآني في أن كلمة واحدة مثل «المسجور» تحمل في اللغة العربية ثراءً دلاليًا واسعًا، وهو ما يسمح بتعدد وجوه التفسير والتأمل فيها.
فاللغة القرآنية لا تحتاج إلى أن تتحول إلى كتاب في علوم البحار حتى تثير دهشة الإنسان؛ إذ يكفي أن تفتح أمامه بابًا للتأمل في عظمة الخلق، وفي عالم لم يكن الإنسان القديم قادرًا على رؤية كثير من أسراره.
وفي النهاية، يظل المقصد الأبرز للسياق القرآني واضحًا في قوله تعالى:
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾.
وهكذا يبقى «البحر المسجور» تعبيرًا قرآنيًا ثريًا في لغته ودلالته، وموضوعًا خصبًا للتأمل في أسرار البحر والأرض، دون الحاجة إلى تحميل الآية أكثر مما تحتمل من دلالات علمية أو تفسيرية.
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.