بين بروتوكول القصر وكرامة الفنانة.. مديحة يسري ترفض تقبيل يد الملك فاروق

 كتب دكتور/ شريف الجندي 

في واحدة من الحكايات اللافتة التي بقيت حاضرة في ذاكرة الفن المصري عن علاقة نجوم الزمن الجميل بالحياة الملكية، تعود إلى الواجهة قصة الفنانة الراحلة مديحة يسري وموقفها من تقبيل يد الملك فاروق، في واقعة كشفت جانبًا من شخصيتها التي عُرفت عنها بالاعتزاز بالنفس والتمسك بما تؤمن به.

وتأتي الحكاية في سياق مختلف تمامًا عن الصور والمشاهد التي وثقت علاقة نجوم الفن بالقصر الملكي في أربعينيات القرن الماضي؛ إذ كانت المناسبات الملكية تخضع لبروتوكولات وتقاليد خاصة، من بينها أسلوب تقديم التحية للملك.

ومن الصور النادرة التي تستعيد أجواء تلك الفترة، صورة ظهرت فيها الفنانة أمينة رزق وهي تحيي الملك فاروق خلال العرض الأول لفيلم «غرام وانتقام» عام 1944، بحضور عدد من كبار نجوم الفن، بينهم يوسف وهبي وسليمان نجيب. وقد ارتبطت الصورة في الذاكرة الفنية بمشهد يعكس طبيعة العلاقات والبروتوكولات الاجتماعية السائدة آنذاك. والفيلم نفسه من إنتاج عام 1944، وكان من بطولة أسمهان ويوسف وهبي وعدد من نجوم تلك المرحلة.

لكن اللافت في الحكاية لم يكن الصورة وحدها، وإنما موقف آخر اتخذته مديحة يسري في مناسبة ملكية، لتقدم رواية مختلفة تمامًا عن كيفية تعامل بعض الفنانين مع تلك البروتوكولات.

دعوة إلى القصر الملكي

بحسب الرواية التي روتها مديحة يسري في لقاء تلفزيوني، تلقت اتصالًا من الفنان سليمان نجيب، الذي كان يشغل منصب مدير دار الأوبرا المصرية آنذاك، يدعوها لحضور حفل يقام بحضور الملك فاروق، وكان من بين فقراته عرض لفرقة باليه الأوبرا.

كانت تلك المرة الأولى التي تدخل فيها مديحة يسري القصر الملكي، ولذلك ذهبت إلى الحفل باعتباره مناسبة رسمية مختلفة عن اللقاءات الفنية المعتادة.

وتذكر الروايات المنشورة عن الواقعة أن من تقاليد الحفل أن يتقدم المدعوون للسلام على الملك، وكان من المعتاد أن يقبل الحضور يده. وبحسب رواية مديحة، عندما جاء دورها، اكتفت بالسلام والتحية دون تقبيل اليد، وقالت للملك: «أهلاً يا مولانا».

وكان تصرفها مختلفًا عن بقية الحاضرين، وهو ما لفت انتباه الملك، فسأل سليمان نجيب عنها، فأخبره بأنها الفنانة الشابة مديحة يسري.

«لو الدعوة مكتوب فيها إني لازم أبوس إيد الملك ما كنتش جيت»

وبحسب الرواية نفسها، لم تمر الواقعة دون ملاحظة من سليمان نجيب، الذي لحق بمديحة وهي في طريقها إلى مكان تناول العشاء، وعاتبها على عدم تقبيلها يد الملك.

وعندما سألها عن سبب تصرفها، جاء ردها واضحًا بأنها لو كانت تعلم أن تقبيل يد الملك شرط لحضور الدعوة، لما حضرت من الأساس.

وعندما أوضح لها سليمان نجيب أن الأمر كان عرفًا متبعًا وأن جميع الموجودين فعلوا ذلك، أجابته مديحة بعبارة أصبحت أشهر ما ارتبط بالقصة:

«أنا لا أقبل إلا يدي أبي وأمي فقط».

وتروي المصادر التي نقلت القصة أن مديحة لم تكتفِ برفض تقبيل اليد، وإنما غادرت القصر ولم تتناول العشاء مع المدعوين، معتبرة أن موقفها يتصل بمبادئها الشخصية.

وفي رواية أخرى نقلتها صحف مصرية عن حديث سابق لمديحة يسري، ذكرت أن الملك نفسه سألها لاحقًا عن اسمها، وعندما عرف أنها مديحة يسري اكتفى بالضحك، وهو ما يؤكد أن الواقعة بقيت في ذاكرتها باعتبارها موقفًا من المواقف التي تمسكت فيها بما وصفته بمبادئها.

مديحة يسري.. «سمراء النيل» التي تركت بصمتها في السينما المصرية

ولم تكن مديحة يسري مجرد فنانة ارتبط اسمها بهذه الحكاية؛ فقد كانت واحدة من أبرز نجمات السينما المصرية في عصرها الذهبي، وامتدت مسيرتها الفنية لعقود طويلة، قدمت خلالها أدوارًا متنوعة في السينما والتلفزيون.

وعُرفت بلقب «سمراء النيل»، وشاركت في أعمال جمعتها بعدد من أبرز نجوم الغناء والتمثيل في مصر، ومن بينهم محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش ومحمد فوزي وعبد الحليم حافظ، كما قدمت خلال مسيرتها العديد من الأفلام والأعمال التلفزيونية التي رسخت حضورها بين نجمات جيلها.

ورحلت مديحة يسري في 30 مايو 2018، بعد مسيرة فنية طويلة تركت خلالها رصيدًا كبيرًا من الأعمال والشخصيات التي ما زالت حاضرة في ذاكرة الجمهور.

بين البروتوكول والمبدأ

وتكشف الحكاية في النهاية عن اختلاف واضح بين مفهومين كانا حاضرين في المجتمع آنذاك؛ الأول هو البروتوكول الرسمي والتقاليد المتبعة داخل المناسبات الملكية، والثاني هو الموقف الشخصي لمديحة يسري التي رأت أن تحيتها للملك يمكن أن تتم دون تقبيل يده.

ومن هنا بقيت الواقعة مثار اهتمام كلما عادت صور الزمن الملكي إلى الواجهة؛ فالبعض يراها مثالًا على بروتوكول كان سائدًا في تلك الحقبة، بينما يقرأ آخرون موقف مديحة يسري باعتباره تعبيرًا عن شخصيتها واستقلالها وتمسكها بما كانت تعتبره مبدأً شخصيًا.

وبعيدًا عن إصدار حكم على أحد الطرفين، تبقى الصورة والحكاية معًا شاهدين على زمن مختلف من تاريخ مصر، كان الفنانون فيه يلتقون بالملوك والأمراء وكبار رجال الدولة، وكانت مثل هذه اللقاءات تحمل تفاصيل اجتماعية وبروتوكولية أصبحت اليوم جزءًا من ذاكرة الزمن الجميل.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *