من فهد بن محمد السليِّم إلى من يقول بعدم استحباب المداومة على صلاة الضحى وأنها تُصلى “غِبّاً”

الدكتور/ فهد بن محمد بن حمد السليِّم 

عميد كلية أصول الدين سابقاً 

من فهد بن محمد السليِّم إلى من يقول بعدم استحباب المداومة على صلاة الضحى وأنها تُصلى “غِبّاً”

‏بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فإن الرد على من يقول بعدم استحباب المداومة على صلاة الضحى وأنها تُصلى “غِبّاً” (أي يوماً وتُترك يوماً) يعتمد على أدلة السُّنة الصحيحة الصريحة، وهو مذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية معتمدة عند الحنابلة، بالإضافة إلى أنه اختيار المحققين من أهل العلم كابن القيم، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين -رحمهم الله-

؛ ويمكن تفنيد هذه الشبهة والرد عليها عبر النقاط والأدلة التالية:

1. الأحاديث الصحيحة الآمرة بالمداومة والوصية بها:

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من الصحابة صراحةً بالمحافظة عليها وعدم تركها طوال الحياة، ومن ذلك:

• وصية أبي هريرة رضي الله عنه: قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ» (متفق عليه). وقوله “لا أدعهن حتى أموت” نص قاطع في مشروعية المداومة اليومية.

• وصية أبي الدرداء رضي الله عنه: جاءت باللفظ نفسه في صحيح مسلم: «أَوْصَانِي حَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ…».

2. العلة اليومية لتكفير صدقات البدن (الْسُّلَامَى):

ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى (مَفْصِل) مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ… وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى».

• وجه الدلالة: الإنسان يصبح كل يوم ومعه 360 مفصلاً تحتاج إلى صدقة شكر لله. وبما أن النعمة تتجدد يومياً، فإن سبب الصلاة يتكرر يومياً، مما يقتضي استحباب فعلها كل يوم لتؤدي شكر هذه الأعضاء.

3. إثبات المداومة بوصف “الأوَّابين”:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يُحافِظُ على صلاةِ الضُّحى إلا أَوَّابٌ، وهي صلاةُ الأوَّابِينَ» (رواه الحاكم وحسّنه الألباني).

• وجه الدلالة: اللفظ استعمل كلمة “يُحافظ”، والمحافظة في لغة الشرع تعني المداومة والاستمرار، وليس الفعل غبّاً أو متقطعاً.

مناقشة أدلة القائلين بالصلاة “غِبّاً” والرد عليها

احتج من قال بعدم استحباب المداومة (وهم جمهور الحنابلة في المعتمد من المذهب) بحديث عائشة رضي الله عنها حين قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها» (متفق عليه)، وبحديث أبي سعيد الخدري: «كان يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها».

والرد على هذا الاحتجاج من وجهين:

1. خشية الفرضية: النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك بعض سنن التطوع أحياناً -رغم حبه لها- خشية أن تُفرض على الأمة رفقاً بهم، كما قالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ». وهذه العلة (خشية الفرضية) انقطعت بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم واستقرار الشريعة، فبقي الاستحباب مستمراً للمسلم.

2. عدم الرؤية لا ينفي الفعل: قول عائشة “ما رأيته يصليها قط” يعني في بيتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي وقت الضحى غالباً خارج المنزل (في المسجد، أو في الأسواق، أو في لقاء الوفود وقضاء حوائج الناس)، وقد ثبت عنه في أحاديث أخرى أنه صلاها في بيوت صحابة آخرين كعتبة بن مالك، ويوم فتح مكة في بيت أم هانئ.

الخلاصة:

المداومة على صلاة الضحى سنة مستحبة مطلقة ومؤكدة كل يوم، ومن تركها أحياناً فلا حرج عليه ولا إثم، لكن الأفضل والأكمل والأعظم أجراً هو الاستمرار والمحافظة عليها.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *