ونبدأ في استعراض الحجب التي حالت بيننا وبين النص الإلهي

كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات

الحجاب الأول: أحببناه ولم نسكنه

لم يصف الله كتابه يوم أنزله بأنه كتاب يُتلى فحسب ولا بأنه كتاب تُحفظ آياته ولا بأنه كتاب تتزين به المجالس، وإنما اختار له أسماء تكشف وظيفته قبل أن تكشف مكانته… فسماه هدى ونورا وروحا وشفاء ورحمة وبصائر.

ولقد تأملت طويلا هذه الأسماء فوجدت بينها خيطا واحدا يجمعها من حيث هي أشياء لا تؤدي وظيفتها وهي خارج الإنسان، فالروح لا تقف إلى جوار الجسد بل تسري فيه حتى تحييه، وكذلك القرآن… لا يبلغ غايته وهو مكرم في الرفوف أو محفوظ في الصدور حتى ينزل إلى منازل القلب فيصبح هو الميزان الذي يزن به الحياة.

إن القرآن لم ينزل ليضيف إلى مكتبة البشر كتابا مقدسا وإنما نزل ليصنع إنسانا جديدا، وكما أكدت في الفصول السابقة أنك لا تكاد تجد وأنت تستقرأ الظاهرة الدينية على مستوى العالم أمة أحبت كتابها كما أحب المسلمون القرآن، ولا شك أن تلك المحبة ما زالت حاضرة بقوة بل هي من أعظم ما بقي في وجدان الأمة.

لكن السؤال الذي يهمنا هنا لا يتعلق بـ”هل نحب القرآن؟” وإنما بـ “ماذا فعل هذا الحب فينا؟” فالمحبة إذا بقيت شعورا جميلا ولم تتحول إلى إقامة داخلية للقرآن في الرؤية والقرار والسلوك، فإنها تكون قد بدأت الطريق ولم تكمله.

وحينما تتأمل ذلك تدرك أن الازمة في طبيعة نفوسنا البشرية، فالإنسان يميل إلى كل حب لا يكلّفه تغييرا… يحب العدل والكرم والصدق كقيم ويتغنى بها، لكنه عند التطبيق يقدم مصلحته على مشاعره القيمية، فالعدل هو ما يحقق مصلحته، والكرم هو ما يزيد ما عنده لا ما يقلله، والصدق هو وجهة نظره للأحداث لا ما حدث حقيقة!! كأن النفس البشرية حينما تبتعد عن هدايات السماء تحاول الاستمتاع بجمال القيم دون أن تسمح لها بالاقتراب من رغباتها، وتلك هي الحيلة التي تسربت إلى علاقتنا بالقرآن…

فقد بقي القرآن عند كثير منا موضوع تقدير لا مصدر تغيير!

ولكي تقنع النفس البشرية ذاتها بانها على الحق تحتال مرة أخرى باعتبار الشكل جوهرا… بمعنى أن تعتبر حزنها إذا أسيء إلى القرآن وفرحها _بل وخشوعها وبكائها عند تلاوته_ دليلا على محبة حقيقية ويقين راسخ بهذا النص الإلهي!

وهنا تقع الخدعة الكبرى؛ لأن القلب يخلط بين حرارة المشاعر الظاهرية وبين الجوهر وهو التغيير الذي يصنعه القرآن في حياته… فيظن أنه ما دام قد بكى فقد تغير، وما دام قد تأثر فقد استجاب، وما دام قد أحب فقد سكن.

لكن القرآن لا يقيس الأمور بهذه الطريقة؛ لأنه ببساطة يهتم بالجوهر لا بالشكل، ولذلك فإن مقياسه يتعلق دائما بمدى ما حققه من حضور في حياة قارئه، وهذا لا يعني أن القرآن يحتقر المشاعر… أبدا… لكنه يعني أنه يرفض أن تكون المشاعر هي نهاية الطريق، إنها عنده بداية الحركة لا الحركة نفسها.

ولذلك كان الوجدان في القرآن دائما يعقبه فعل، يسمعون فيستجيبون، أما أن تنتهي العلاقة عند لحظة التأثر فذلك شيء لا يعرفه منطق الوحي.

إن القرآن بطبيعته كتاب يريد أن يسير في الممرات كلها، أن يدخل إلى طريقة نظرتك للمال وإلى ميزانك في النجاح وإلى تعريفك للقوة وإلى علاقتك بزوجتك وأولادك وإلى ساعة غضبك وخوفك ونصرك وهزيمتك… فإذا بقي محصورا في لحظة التلاوة، فقد أحببته… لكنك لم تسكنه.

ولعل هذا هو الفارق الذي لم ننتبه إليه طويلا، فالمحب يستطيع أن يزور من يحب ثم يعود إلى حياته القديمة أما الساكن فلا يعود إلى حياة أخرى؛ لأن البيت الذي يسكنه هو الذي يصنع عاداته ويرتب يومه ويحدد ملامح شخصيته… وهكذا لا تعود القضية في عدد الصفحات التي نقرأها أو الساعات التي نقضيها مع المصحف وإنما في مقدار ما أصبح للقرآن من حضور حقيقي في تشكيل رؤيتنا واختياراتنا وطريقة عيشنا.

وهنا يتضح الحجاب الأول في أبسط صوره والتي تعني أن القرآن ليس غائبا عن الذاكرة أو الوجدان وإنما أنه قد يبقى حاضرا فيهما من غير أن يسكن الموضع الذي تصدر منه الرؤية والاختيار والسلوك…وتلك هي المسافة بين أن نحب القرآن وبين أن نسكنه.

وليس معنى هذا أن القرآن فقد قدرته على التغيير.. أبدا… فالخلل ليس في النور وإنما في النافذة المغلقة التي لم تعد تستقبله، وبناء عليه يصبح الحجاب الأول أعمق من فكرة الخطأ في طريقة القراءة، إنه خلل في تعريف العلاقة نفسها، حين نظن أن تعظيم القرآن يكفي بينما المطلوب أن نسمح له بأن يدخل إلى الأعماق ويعيد ترتيب الحياة من هناك، فهو يأبى أن يكون واحدا من الأشياء الجميلة التي نحتفظ بها في حياتنا، وإنما أن يمتد أثره إلى الأفكار والموازين والاختيارات حتى لا يبقى شاهدا على الحياة من خارجها، بل يسكنها ويشارك في تشكيلها.

والساكن في القرآن لا يكتفي بأن يزوره حين يحتاج إليه ثم يعود إلى عالم صنعته مصادر أخرى، وإنما أن يجعل هذا الكتاب جزءا من البيت الداخلي الذي يعيش فيه، يترك له أن يقترب من مناطق لا يحب عادة أن يقترب منها أحد… عاداته ومخاوفه وتعريفاته للنجاح والفشل وطريقته في النظر إلى المال والقوة والعلاقات والناس ونفسه، وليس معنى السكن أن يعرف الإنسان كل شيء عن القرآن وإنما أن يمنحه حق الدخول إلى كل شيء فيه.

ولهذا لم يكن أول الحجب أننا هجرنا القرآن هجرا كاملا، فهذه ليست الحقيقة التي نتحدث عنها، الحقيقة الأكثر خفاء أن الإنسان قد يحب القرآن ويعظمه ويكثر من تلاوته ثم يظل محتفظا بمناطق واسعة من حياته لا يسمح له أن يدخلها، فالحب موجود لكن السكن لم يكتمل، وتبقى بين القرآن وبين بعض تفاصيل الحياة أبواب مغلقة لا يراها صاحبها لأنه اعتاد وجودها.

وحين تبقى هذه الأبواب مغلقة، يبدأ القلب – من حيث لا يشعر – في البحث عن طريقة يقرأ بها القرآن من غير أن يهزه كثيرا، ومن غير أن يطالبه بإعادة النظر في أشياء استقرت فيه من قبل. وهنا يبدأ الحجاب التالي في التشكل؛ فلم تعد المشكلة فقط أننا أحببنا القرآن ولم نسكنه، وإنما أننا دخلنا إليه ونحن نحمل أجوبتنا القديمة معنا، ثم طلبنا منه أن يجيب عنها بالطريقة التي ترضينا.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *