خاطرة إعلامية | العطاء.. سعادة لا تُقاس بما نقدمه للآخرين، بل بما نزرعه في قلوبنا

كتب/ نزار العلي ابو الزعيم

ليس العطاء مجرد مساعدة مادية نقدمها لمحتاج، أو صدقة نمنحها لمن ضاقت به ظروف الحياة، بل هو قيمة إنسانية راقية تكشف أجمل ما في النفس البشرية من رحمة وتراحم ومحبة وشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.

فحين نمد أيدينا لمساعدة إنسان، أو نطعم جائعًا، أو نخفف ألم محتاج، أو نرسم ابتسامة على وجه شخص أثقلته الهموم، فإننا لا نمنحه مجرد مساعدة عابرة، بل نبعث في داخله رسالة إنسانية مفادها أنه ليس وحده، وأن الخير ما زال حاضرًا في هذه الحياة.

والأجمل أن أثر العطاء لا يتوقف عند من يتلقاه، بل يمتد إلى نفس من يقدمه؛ فهناك سعادة خاصة يشعر بها الإنسان عندما يرى أثر الخير الذي صنعه، ويدرك أنه كان سببًا في تخفيف معاناة إنسان أو تغيير يومه إلى الأفضل. إنها سعادة لا ترتبط بقيمة ما قدمناه، وإنما بصدق المشاعر ونقاء النوايا.

ومن الناحية النفسية، يعزز العطاء مشاعر الرضا والامتنان والتواصل الاجتماعي، ويساعد الإنسان على الخروج من دائرة الانشغال الدائم بما ينقصه، ليتأمل ما يمتلكه وما يستطيع أن يقدمه للآخرين. وقد أشارت دراسات في علم النفس إلى ارتباط السلوكيات الإيثارية ومساعدة الآخرين بمشاعر إيجابية وتحسن مستوى الرفاه النفسي، مع اختلاف الأثر من شخص إلى آخر.

أما في ميزان الإيمان، فالعطاء والصدقة من أبواب الخير التي يتقرب بها العبد إلى الله، ويستحضر من خلالها أن المال والرزق والنعم أمانة تستوجب الشكر وحسن الاستخدام. وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ \[آل عمران: 92\]، وهي آية عظيمة تضع أمامنا معنى ساميًا للبذل، وتؤكد أن قيمة العطاء تتجلى حين يقدم الإنسان مما يحب ابتغاء مرضاة الله.

لكن العطاء الحقيقي لا يُقاس بكثرة المال، فقد تكون كلمة طيبة صدقة، أو مساعدة بسيطة سببًا في إنقاذ إنسان من شعور بالوحدة، أو موقف نبيل يترك أثرًا لا تمحوه الأيام. وربما كان أجمل ما في العطاء أن يصل إلى صاحبه دون أن يشعره بالضعف أو الحاجة، فحفظ كرامة المحتاج جزء لا يتجزأ من قيمة الإحسان.

ولهذا، لا تنتظر أن تمتلك الكثير حتى تعطي، ولا تؤجل فعل الخير حتى تتحسن ظروفك؛ فكل إنسان يستطيع أن يمنح شيئًا، ولو كان اهتمامًا أو وقتًا أو كلمة تطيب بها نفسًا.

الخلاصة: نحن لا نعطي لأن الآخرين يحتاجون إلينا فقط، بل نعطي لأن الإنسانية بداخلنا تحتاج إلى أن تظل حية. فالعطاء لا ينقص ما نملك، وإنما يضيف إلى أرواحنا قيمة، وإلى حياتنا معنى، وإلى المجتمع روابط من المحبة والتكافل.

فلنجعل الخير عادة، والرحمة أسلوب حياة، وليكن عطاؤنا خالصًا لوجه الله، بعيدًا عن المظاهر وانتظار المقابل؛ فما أجمل أن نترك في حياة الآخرين أثرًا طيبًا، وأن نكون سببًا في ابتسامة أو فرحة أو تفريج كرب.

فالسعادة الحقيقية ليست دائمًا فيما نحصل عليه، بل كثيرًا ما نجدها فيما نقدمه.

خاطرة إعلامية

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *