كتب دكتور / علاء عبدالعزيز
في منتصف القرن العشرين، وتحديداً في عام 1954، قرر العالمان “جيمس أولدز” و”بيتر ميلنر” أن يعبثا قليلاً بأسلاك الدماغ، في تجربة ستغدو لاحقاً أيقونة مرعبة في تاريخ علم الأعصاب.
لم يكن الأمر مجرد بحث علمي، بل كان أشبه بفتح “صندوق باندورا” داخل رؤوس القوارض.
قاما بزرع أقطاب كهربائية دقيقة في أدمغة الفئران، موجهة بدقة جراحية نحو ما يعرف بـ”مراكز المكافأة” وهي المناطق المسؤولة عن الشعور باللذة والمتعة!
ربطا هذا الفتيل الكهربائي برافعة صغيرة داخل القفص وكانت المعادلة بسيطة…
ضغطة واحدة على الرافعة تساوي صعقة فورية لتبعث إشارات من اللذة الخالصة، وجرعة مكثفة من التحفيز العصبي المباشر.
ثم ماذا كانت النتيجة؟
لقد جن جنون الكائن الصغير!
تحول الفأر إلى مدمن في فترة وجيزة مفضلاً تلك “الرعشة الكهربائية” على كل نداءات الفطرة.
أهملت الفئران الطعام وإن جاعت، أعرض الفأر المستمتع عن الماء وهو عطشان، بل وزهد في التزاوج، متفرغاً لعبادة تلك الرافعة اللعينة..
يضغط عليها مئات المرات في الساعة بنمط قهري لا يتوقف.
تشير الروايات الأكثر تداولاً -والأشد قسوة- إلى أن بعض الفئران واصلت الضغط بلا هوادة، متجاهلة نداءات جسدها المنهار، حتى سقطت صريعة الإعياء والجوع..
تخيل المشهد.. ماتت وهي في قمة “النشوة”!
الحق أنه يبدو مشهدا عبثيا..
كائن حي يُلغي غريزة البقاء، ويتنازل عن حقه في الأكل والشرب والتكاثر، ليقضي نحبه وهو يضغط زرّاً يجلب له سعادة وهمية.
ميتة تراجيدية تثير الضحك والبكاء معاً..
كيف يمكن للكائن أن يركض نحو حتفه وهو يظن أنه يركض نحو النعيم؟
وكأن لسان حال التجربة يقول لنا بتهكم: “احذروا.. فالنشوة قد تكون أحياناً الوجه الآخر للمقصلة!”.
هل يبدو لك المشهد السابق مألوفاً يا صديقي؟
دعنا لا ندفن رؤوسنا في الرمال..
انظر في المرآة الآن، أو بالأحرى، انظر إلى يدك وأنت تعبث بالهاتف.. تلك الشاشة اللامعة التي تقبض عليها كأنها طوق نجاة، ألا تشبه شيئاً؟
يؤسفني -بشدة- أن أخبرك بالحقيقة: لقد تحولنا تدريجياً وبدون أن نشعر إلى نسخة بشرية من تلك التجربة لكن “رافعة اللذة” لم تعد قطعة معدنية في قفص..
لقد صارت تمثلها تلك الشاشة التي نمرر عليها إبهامنا بحركة (Scroll) آلية لا تتوقف، بحثاً عن جرعة جديدة من “اللا شيء”!
وإن لم يقنعك الهاتف، فهل وجدت نفسك يوماً تمسك بجهاز التحكم (الريموت)، وتقلب في قائمة منصة من منصات الترفيه لساعة أو لساعات، ولتنتهي بك الحال بإغلاق التلفاز والنوم دون مشاهدة دقيقة واحدة؟
أنت لست وحدك..
ملايين البشر يشاركونك هذه اللحظة العبثية
نحن نعيش في “العصر الذهبي” للترفيه، في جيبك مكتبة موسيقية تضم كل مسليات الأرض، وعلى شاشتك آلاف الأفلام والألعاب،
مرحباً بك في عصر “مفارقة الاختيار” أو ما يسمونه بعصر “تخمة الدوبامين” حيث الكثرة هي العدو الأول للمتعة.
العصر الذي ننفق لحظاته ودقائقه وساعاته بحثا عن روافع الدوبامين..
والدوبامين يا عزيزي ليس “هرمون السعادة” كما يشاع خطأً في صفحات التنمية البشرية
الأدق أنه هرمون “توقع السعادة”.
إنه الوقود الحيوي الذي أودعه الخالق في فطرتنا ليدفعنا للسعي..
للحركة..
لنقوم فنأكل لنحيا،
نتزوج فيبقى النوع ونعمر الأرض.
هو ذلك الصوت الخفي الذي يهمس في أذنك: “افعل هذا، وستشعر بشعور رائع!”.
باختصار شديد هو “الجزرة” التي تتدلى أمام أنفك لتتحرك إليها وليس هو طعم الجزرة في فمك!
الدوبامين أقرب إلى “سمسار” بارع يبيعك الأحلام، ويقنعك بمهارة يحسد عليها أن السعادة القصوى تكمن في الـ (Scroll) القادم، أو في إشعار جديد، أو في شراء شيء لا تحتاجه بمال لا تملكه لإبهار ناس لا تحبهم.
الدوبامين يعدك بالنشوة.. لكنه لا يضمن لك الرضا.. وفارق شاسع بين من يركض خلف السراب، ومن يرتوي من النبع.
لو دخلت مطعماً لا يقدم سوى “الفول والطعمية”، ستأكل، وتحمد الله، وتمسح فمك بمنديل ورقي رخيص وأنت تشعر بقمة الرضا والشبع.
لقد حسم الأمر، ولا مجال للحيرة.
ولكن، تخيل نفسك أمام “بوفيه مفتوح” يضم عشرات الأصناف، من الكافيار الروسي حتى “المحشي” المصري.
المنطق يقول إنك ستكون أسعد.. أليس كذلك؟
للأسف.. غالباً هذا لا يحدث..
علم النفس والواقع يقولان العكس.
لفهم هذه الفكرة أكثر دعنا نغادر مقاعدنا المريحة وندخل إلى مكتب عالم الاجتماع “باري شوارتز”، الذي طرح مفهوماً مهما في كتابه “مفارقة الاختيار” (The Paradox of Choice).
الفكرة ببساطة تقول: “كلما زادت الخيارات، زاد القلق وقل الرضا”، ولتصاب في النهاية بما أسماه “شلل الاختيار والتحليل” (Analysis Paralysis).
قديماً، كان لديك قناتان تلفزيونيتان، كنت تشاهد المتاح وتستمتع به لأنك لا تملك بديلاً..
أما اليوم، فأمامك آلاف الخيارات، عقلك البشري المحدود يصاب بالشلل؛ أنت خائف من اختيار فيلم سيء وتضييع وقتك، فتظل تقارن وتقلب حتى يُستنزف رصيدك النفسي، فتختار “اللاشيء” هرباً من مسؤولية الاختيار..
إن كثرة الخيارات هي العدو الأول للرضا، والوفرة هنا لم تمنحنا الحرية، بل منحتنا القلق، وصارت إحدى لعنات العصر الجديدة.
الأمر لا يتوقف عند الحيرة فقط، بل يمتد إلى كيمياء الدماغ، فنحن يا صديقي أصبحنا مدمنين لـ “الدوبامين الرخيص”
منصات مثل “تيك توك” و”إنستجرام” عودت أدمغتنا على جرعات مكثفة وسريعة من المتعة في ثوانٍ معدودة..
أي أنها محفزات عالية وسريعة
هذا خلق لدينا ما يشبه “المناعة” ضد المتعة البطيئة؛ فلم نعد نملك الصبر لمشاهدة طويلة ذات إيقاع هادئ، أو قراءة مثمرة أو حتى مسلية لرواية تحتاج لتركيز..
عقلنا يصرخ طالباً “التمرير” (Scroll) للحصول على الجرعة التالية فوراً.
تحولنا إلى مستهلكين شرهين للوجبات السريعة الرقمية، امتلأت بطون أوقاتنا لكننا ما زلنا جائعين ونشعر بالفراغ، لأن المحتوى السريع يلهيك، لكنه لا “يغذيك”.
هل تعلم يا سيدي أن إحصائيات منصة “نيلسن” تخبرنا برقم يدعو للتأمل؟
المستخدم العادي لمنصات الأفلام والمسلسلات يبدد ما بين 10% إلى 30% من وقته المستخدم داخل المنصة!
تخيل.. ثلث وقته يُستنزف في التصفح لاختيار المحتوى.
يعني ببساطة إذا كان المستخدم يشاهد مثلا 1500 ساعة سنويًا على منصة نتفليكس، فقد يقضي بين 150–450 ساعة في البحث والتصفح فقط.
أيام كاملة من عمره القصير فقط في تقليب واجهات لاختيار ما يشاهده!
تأمل الإحصاء جيدا.. تقليب وليس مشاهدة
عندما يواجه المستخدم آلاف الخيارات في ساعة واحدة، ينشأ ما يسمى في علم النفس بـ “عبء الاختيار” (Choice Overload)
وهو الذي يؤدي إلى بطء في اتخاذ القرار وقلق من اختيار “الخيار الخاطئ” وتكرار التصفّح دون التقدم للمشاهدة!
الشيء نفسه قد يحدث مع مقاطع اليوتيوب أو ريلز الفيس بوك أو إنستجرام
نقلب القوائم لساعات، تتقلب فيها أعيننا وتتشتت عقولنا، ثم يصيبنا الإنهاك النفسي.. بحثا عن مزيد من النشوة واللذة
وفي النهاية قد يترك كل ذلك كما قلت لك ويلجأ إلى تكرار أي خيار آمن يعرفه
لأن العقول التي احترقت بلهيب الاختيارات لم تعد تملك “طاقة” للمغامرة..
ثم تبدأ بحثا جديدا ومغامرة أخرى للحصول على المزيد منه..
من الدوبامين
لقد انقلب السحر على الساحر، وتحولت الوفرة من “نعمة” نرجوها إلى “عبء” ننوء به.
قديماً، كان أجدادنا يبحثون بشق الأنفس عن إبرة المعرفة في كومة قش الحياة..
أما اليوم.. فنحن غارقون تحت جبل من الإبر اللامعة، ونبحث -دون جدوى- عن قشة واحدة من الهدوء!
الدماغ البشري مصمم أصلاً ليفرز “الدوبامين” بميزان حساس جداً، كمكافأة على أفعال البقاء الكبرى
(أن تأكل لتسد جوعك، أن تنجز عملاً شاقاً، أو أن تتزوج لتعف نفسك).
المشكلة أن دماغنا ليس مهيئا لمواجهة طوفان “تيك توك” أو إعصار “الريلز”.
تشرح الدكتورة “آنا ليمبكي” في كتابها (أمة الدوبامين – Dopamine Nation) الكارثة التي تحدث الآن:
عندما تقوم بإغراق دماغك بفيضان مستمر من “الدوبامين الرخيص” والسهل (فيديوهات قصيرة تافهة، إشعارات لا تتوقف، قلوب إعجاب وهمية)، يحدث للدماغ حالة من الذعر البيولوجي.
ولكي يحمي نفسه من الاحتراق بسبب هذا التيار الكهربائي العالي، يقوم بما يسمى في الطب التخفيض التنظيمي (Down-regulation).
تخيل أن جيرانك يصرخون بصوت عالٍ طوال الليل.. ماذا ستفعل؟
ستغلق النوافذ وربما تضع سدادات في أذنك.
هذا بالضبط ما تفعله خلاياك العصبية
“تغلق النوافذ” وتقوم بتقليل عدد مستقبلات الدوبامين.
والنتيجة… خ يصبح العالم في عينيك باهتاً، رمادياً، وكئيباً.
الأشياء العادية التي أحلها الله وأودع فيها السكينة..
مجالسة صديق حميم
قراءة كتاب ممتع ونافع،
أو حتى تأمل غروب الشمس بخشوع
كل ذلك سيصبح فجأة مملا جداً
أشياء “ماسخة” غير قادرة على تحريك شعرة في رأسك.
لماذا؟
ببساطة لأن “عتبة الاستمتاع” لديك قد قد ارتفعت بشكل مبالغ فيه ولم تعد تستمتع بالحياة، أنت فقط أصبحت تكتفي بالمطاردة
مطاردة الجرعة التالية لا لتشعر بالسعادة.. ولكن فقط لتشعر أنك “طبيعي”!
إدمان يشبه جدا ما يحدث لمدمني المخدرات، والفارق الوحيد أن “الديلر” هنا يقيم في جيبك..
والمخدر رقمي..
ومجاني..
وقانوني تماماً!
لكن هل تظن أن الكارثة تتوقف عند تعكر المزاج أو فقدان الشغف؟
يا ليتها كانت كذلك!
الأمر للأسف يصل إلى ما هو أعمق بكثير ..
إلى المادة الرمادية في المخ
دراسة أجرتها جامعة “كاليفورنيا” تخبرنا بنبأ يشبه النعي:
في عام 2004، كان متوسط انتباه الإنسان يصل إلى دقيقتين ونصف.. وهو رقم متواضع أصلاً..
أما اليوم؟
فقد انهار هذا الرقم ليصل إلى 47 ثانية فقط!
هل تدرك حجم المشكلة؟
صار كثير منا يملك قدرة على التركيز ينافس بها تلك “السمكة الذهبية” في حوض الزينة!
وهنا نصل إلى ما يسمى بذلك الاسم الكئيب
“التعفن الدماغي” (Brain Rot).
إنه ليس عفناً بكتيرياً، بل هو ضمور وظيفي مخيف.
حين نفقد مهارة “الصبر”، وتموت فينا قدرات “التأمل”.
وانظر حولك لترى النتيجة: جحافل من البشر لا يطيقون قراءة مقال من صفحتين، ولا يستطيعون متابعة فيديو مفيد مدته 5 دقائق دون أن تزيغ أبصارهم..
النتيجة الحتمية لهذا العجز عن التركيز للأسف هي ذلك “الغباء” الذي نراه يستفحل يومياً.
إن العلم يحتاج إلى صبر، والفهم يحتاج إلى عمق، والدين يلزمه التدبر. وكثير منا لم يعد يملك العملة اللازمة لدفع ثمن أي منهم ؛ عملة (التركيز).
كأننا استبدلنا “شريحة اللحم” المغذية التي تحتاج إلى وقت للمضغ والهضم، بآلاف الأكياس المنتفخة من المقرمشات المليئة بالهواء والنكهات الصناعية.
البطون ممتلئة، نعم..
لكن خلايانا تتضور جوعاً، وعقولنا أصيبت بالتخمة والهشاشة في آن واحد..
صرنا جيلا “يعرف” قشور كل شيء، ولا “يفقه” معظمه حقيقة أي شيء!
في روايته (1984) كان “جورج أورويل” يخشى من منظومة تحظر الكتب وتخفي المعلومات.
لكن “ألدوس هكسلي” في روايته (عالم جديد شجاع) كان يخشى شيئاً آخر.. شيئاً نعيشه اليوم حرفياً.
هكسلي لم يكن يخشى من حظر الكتب، بل كان يخشى من ألا يرغب أحد في قراءتها أصلاً، لأنهم مشغولون جداً بـ “الترفيه”.
كان يخشى أن نغرق في بحر من المعلومات التافهة والمسليات لدرجة ننسى معها كيف نفكر.
لا أبالغ إن قلت أننا اليوم نعيش في كابوس هكسلي، لا كابوس أورويل.
نحن من نراقب أنفسنا ونحظر كتبنا بشاشات لا تنطفئ، نخشى لحظة صمت واحدة..
نخشى أن نختلي بأنفسنا فنجدها فارغة.
الفيلسوف الفرنسي “بليز باسكال” قال عبارة عبقرية في القرن السابع عشر:
“كل مشاكل البشرية تنبع من عدم قدرة الإنسان على الجلوس وحيداً في غرفة صامتة”.
دعك من التعميم الجائر بكلمة “كل” وهي ليست بهذا الإطلاق لكن تأمل المعنى.
ألا تستطيع الجلوس وحيدا لتفكر..
لتتأمل وتتدبر..
لتخطط لمستقبلك القريب على الأقل وتراجع ماضيك لتصحح أخطاءه..
إشكال عملاق يا صديقي..
نحن نهرب من الملل كأنه وحش كاسر، بينما الملل قد يكون التربة الخصبة التي ينبت فيها الإبداع.
نيوتن لم يكتشف أو يصف الجاذبية وهو يشاهد “ستوري” على إنستغرام، بل اكتشفها وهو يجلس في ملل تحت شجرة.
وهنا نعود لنسلط الضوء مرة أخرى على الملل..
تلك الكلمة التي نبغضها ولا ندري حقيقتها..
الملل يا عزيزي هو “إشارة حيوية” من دماغك تخبرك أنك تحتاج لـ “فعل” حقيقي، لا إلى”تلقٍّ” سلبي.
هو “جرس إنذار” يخبرك أن روحك شبعت من “المشاهدة” العابرة وتحتاج إلى “الفعل”.
والحل ليس دائماً في البحث عن مسلسل أفضل أو مقطع أكثر إضحاكاً، بل أحياناً يكمن في إغلاق كل الشاشات، واحتضان الملل قليلاً، لتسمح لعقلك أن يخلق متعته الخاصة بعيداً عن ضجيج التكنولوجيا.
عندما تقتل الملل دائماً بالسعي للذة متصلة عبر شاشة كبيرة أو صغيرة فأنت تكسر جرس الإنذار بدلاً من إطفاء الحريق.
لست هنا لأتسلط عليك وأطالبك برمي هاتفك والعيش في كهف، فنحن أبناء هذا العصر وأنا أكتب إليك عبره..
لكن، دعنا نعترف.. نحن نعيش “مفارقة” مثيرة للاهتمام.
في جيوبنا مكتبة تضم كل مسليات الأرض، وعلى شاشتنا تستطيع مشاهدة آلاف المواد المدهشة، ومع ذلك، تصرخ أرواحنا بصمت: “أشعر بالملل!”.
كيف تحولنا من بشر يبحثون عن وسيلة لقتل الوقت، إلى بشر يقتلهم الوقت رغم وفرة الوسائل؟
من زاوية أعمق، قد يفسر لنا هذا اللغز الفيلسوف المتشائم “آرثر شوبنهاور” بنظريته الشهيرة عن “بندول الحياة”، حيث يرى أن حياة الإنسان تتأرجح دوماً بين الألم والملل..
عندما نكافح لتوفير الطعام والأمان نشعر بالألم، وحينما نحقق الرفاهية والأمان ندخل فوراً في حالة “الملل”.
والسر يكمن في كلمة واحدة: “الدهشة”.
لقد قـ.تـ.لنا “الدهشة” يا صديقي.. ذبـ.حناها بسكين “الوفرة”.
قديماً، كانت المتعة في “الانتظار”..
لهفة انتظار حلقة أسبوعية أو رواية تصدر شهريا أو حتى سنويا، أو توفير المال لشراء شريط.
“الحرمان المؤقت” كان التوابل التي تعطي للوصول طعمه، لأن الإنسان بطبعه لا يقدِّر إلا ما يبذل جهداً للحصول عليه.
اليوم.. كل شيء متاح، وكل شيء مباح، وكل شيء رأيناه من قبل..
الوفرة قـ.تـ.لت الشغف بعد الدهشة
وما يَسهُل مناله، يَسهُل استرخاصه”.
هذا الضجيج الذي لا يهدأ وصرنا نحياه يشبه تلك الديستوبيا التي تنبأت بها روايات الخيال العلمي..
شاشات عملاقة تثرثر طوال اليوم لا لتمتعك، بل لتمنعك من التفكير، ولتحميك من “رعب” أن تختلي بنفسك وتكتشف إشكالاتها..
ما العمل إذاً؟
هل نكسر الهواتف ونهاجر إلى كهف في الصحراء لننجو بديننا وعقولنا؟
لا أظن أنك تتوقع أن أقترح عليك هذا الحل..
النجاة من تخمة الدوبامين ليست دائما في “الهروب” بل في استعادة “القيادة”.
العلماء يقترحون ما يسمونه “صيام الدوبامين” (Dopamine Detox).
ليس المقصود هنا الامتناع التام، بل هو عملية “إعادة ضبط المصنع” لمستقبلات الدماغ التي احترقت من كثرة التحفيز.
الأمر يحتاج لقرار شجاع بـ “تجويع” الوحش قليلاً عبر ثلاث خطوات:
أولها إغلاق الصنبور..
أن توقف عن كونك مجرد متلقٍ تصب فيه الخوارزميات ما تريد.
ثانيا استبدال “الرخيص” بـ “النفيس”
وإدراكك أن المتعة الحقيقية -تلك التي تشبع الروح- تتطلب “جهداً”. قراءة كتاب عميق تتطلب عصراً للذهن، وتعلم مهارة يدوية يتطلب صبراً، وصلة الرحم تتطلب حركة..
هذه الأفعال تفرز دوبامين نظيفاً هادئاً، ومستداماً، لا تعقبه أعراض انسحابية كئيبة.
ثالثا مصادقة الملل..
حين يزورك الملل، لا تفزع وتهرب إلى الهاتف..
ابتسم له، ورحب به، واجلس معه قليلاً.
ففي هذا “الفراغ” الذي يبدو مملا قد تولد فكرتك القادمة، والأهم أن فيه قد تصفو نفسك لتناجي ربك.
يا عزيزي، المشكلة ليست فقط في “تشتت الانتباه” أو “قلة الإنتاجية”، الأمر أعظم من ذلك بكثير.
المصيبة في “رأس مالك” الذي يحترق أمام عينيك.
ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه…».
تأمل السؤال جيداً..
“فيم أفناه؟ وفيم أبلاه”.
هل تصلح إجابة: “أفنيته يا رب في الـ (Scroll) وتقليب الفيديوهات القصيرة ومتابعة معارك التوافه”؟
هل هذا هو “العمر” الذي كرمنا الله به، ونفخ فينا من روحه لنعمر به الأرض؟
في الحديث أيضا: «إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها».
وهل هناك “سفساف” أدنى من أن يقضي الإنسان زهرة شبابه وعصارة عقله مشدوهاً أمام شاشة، يتابع حياة أناس لا يعرفهم، ويضحك على مقاطع سخيفة، حتى يفاجئه الموت وهو “مخدر”؟
القلب لن حقا يملأه “لايك”، ولن يروي ظمأه “تريند”، ولن يشبعه ترفيه الأرض كله.
القلب لا يملأه إلا ما خُلق له
هو قد خُلق لغاية علوية؛ خُلق ليعرف خالقه، ويأنس به، ويسعى في مرضاته. وكل محاولة لملء هذا الفراغ بدون أنس بالله، هي محاولة بائسة كمن يحاول ري عطشه بشرب ماء البحر؛ لا يزداد إلا عطشاً.
أغلق الشاشة أحيانا وتوقف عن مطاردة الدوبامين هنا فثمة حياة حقيقية تنتظرك بالخارج حيث دقة المشهد هناك، ووضوح الحقيقة، أعلى بكثير من الـ 4K
وحيث الدوبامين الأنقى
وحيث السعادة الحقيقية.