زهرات_من_بستان_القرآن. زهرتنا الثانية {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها…}

اسلام عبدالعزيز فرحات

زهرات_من_بستان_القرآن

(2)

زهرتنا الثانية

{قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها…}

ليس هذا مجرد مشهد شعائري لتحويل القبلة… إنه مشهد يكشف مقدار ما للنبي ﷺ عند ربه.

هناك…

وقلب الحبيب يلتفت إلى السماء في صمتٍ مهذب…

فلا دعاء صريح… ولا طلب معلن… فقط: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾

يا الله…

السماء ترصد حركة وجهه… وتلتقط حنين قلبه… وتبادر قبل أن يتكلم.

أيُّ منزلة هذه؟ وأيُّ قرب هذا؟ ثم يأتي الجبر الإلهي سريعًا حاسمًا: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾

تأملها بقلبك… لم يقل: قبلة نريدها، بل قال: ترضاها، كأن العناية الإلهية تقول: نحن نرى شوقك، ونعلم مراد قلبك، وسنسارع إلى رضاك.

هكذا… كان رب العالمين يراعي خاطر نبيه ﷺ ويرصد التفات وجهه ويُرضي قلبه قبل السؤال.

لكن السؤال الذي يوجع: إذا كان الله — جل جلاله — يُعلي قدر نبيه إلى هذا الحد، ويرعى مشاعره بهذا اللطف، فكيف يهون على بعضنا اليومأن يخوض في ما يؤذي قلبه الشريف؟

كيف تحوّلت قضايا تمسّ مقام النبي ﷺ إلى مادة جدلٍ بارد… أو — ويا للحزن — إلى “ترند” عابر.. كما فعلوا في حديثهم الوقح عن مصير والدي رسول الله في الآخرة.. أفي الجنة أم في النار؟

أيُّ قسوةٍ هذه؟!!! أفيرقب رب السماء تقلب وجه نبيه رحمةً به، ثم يخرج من أمة الحبيب من يجرح مشاعره ببرود الجدل، وقسوة الطرح، وضجيج المنصات؟

إن محبة النبي ﷺ ليست شعارًا يُرفع… بل أدبٌ يُحفظ… وحرمةٌ تُصان… وقلبٌ يُراعى، وعين تشتاق، وروح تتمنى لو افتدته بنفسها…

يا من تحب النبي… قبل أن تتكلم في مسألةٍ تمس مقامه،

اسأل قلبك: هل في كلامي تعظيم؟ هل فيه أدب؟ هل فيه توقير يليق بمن أخبره ربه بأنه سيغير اتجاه كل من سيصلي له إلى يوم القيامة لقبلة يرضاها هو.. محمد حبيب ربه ومصطفاه..

…….. …….. ……..

بقي في هذه الزهرة عبير يجب أن تلتقطه أنوفنا لننعم بهدية ربنا جل وعلا..

فالآية مع خصوصيتها في حق الحبيب المصطفى تؤسس في عمومها لعقيدة الذوق الرفيع مع الله، فربك لا ينتظر دائمًا صيغة الطلب، بل يكفيه صدق الالتفات.

فيا صاحب القلب المكدود، إذا رأيت السماء مغلقة في وجه الأسباب، فتذكّر:

ربُّ “قد نرى” يرى تقلب قلبك الآن… وربُّ “فلنولينك” قادر أن يفتح لك من أقداره ما يرضي فؤادك.

فلا تيأس… ففي القرآن ربٌّ يلاحظ ارتعاشة الوجه…

ويجبر خاطر النبي، وخاطر كل عبد يسلك مقام الصدق الذي سلكه رسول الله…

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *