دين

زهرات_من_بستان_القرآن . (7) إحسان التصور أولا ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (الأنعام: 32)

اسلام عبدالعزيز فرحات

#زهرات_من_بستان_القرآن

(7)

إحسان التصور أولا

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (الأنعام: 32)

كعادة القرآن في تقريرالحقائق الكبرى، _وليس أكبر من التصور الأولي لطبيعة حياة الإنسان وحقيقتها_ يكشف هنا الحقيقة عارية… ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾

ليست سبا للدنيا، ولا دعوة لتركها، بل إقرار لحقيقتها ليحسن المسلم تصورها، من أجل أن يبني عليه كل ما يأتي بعد ذلك.

الدنيا كما تصورها هذه الآية ليست موطن القرار، بل ساحة اختبار، واللعب واللهو ليس معناهما الضحك فقط، بل الانشغال بما لا وزن له عند المفاصلة.

صاحب الظلال يرى أن هذه السورة _سورة الأنعام_ تضع الإنسان أمام سؤال الوجود: أين تقف؟ وفي أي كفة تضع قلبك؟.

الدنيا تلعب بنا حين ننسى أنها ممر، وتلهينا حين نتعامل معها كغاية.

ولذلك يعقب القرآن مباشرة: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ليس لأن الآخرة بعيدة، بل لأنها الحقيقة التي لا تزول. ثم يأتي السؤال القاطع: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

كأن الخطاب يقول: المشكلة ليست في قلة الأدلة، ولا في غموض الطريق، بل في تعطيل العقل تحت ضغط الرغبة.

الجزء السابع مليء بالمشاهد الكونية: حياة تخرج من موت، ونور يشق الظلمة، وسماء تُدار بنظام محكم وكلها تقول معنى واحدًا: هذا الكون لم يُخلق للعب… فكيف تجعل حياتك لعبًا؟!!

القرآن هنا لا يخاطب العاطفة، بل يهزّ البصيرة. يقول للإنسان: انظر حولك… كل شيء يسير إلى غاية، فلماذا وحدك تائه بلا وجهة؟

رمضان — في هذا الموضع — ليس شهر دموع فقط، بل شهر إعادة ترتيب الأولويات، أن تسأل نفسك بجرأة: — ما الذي يأخذ أكبر مساحة من تفكيري؟

— ما الذي أفرح له أكثر مما ينبغي؟

— ما الذي أحزن عليه وكأنه النهاية؟

إن كانت الدنيا أكبر همّك، فأنت تلعب… ولو لبست ثوب الجدية.

وإن كانت الآخرة في مركز القلب، فأنت تعيش بوعي… ولو تعبت.

القرآن في هذا الجزء لا يطلب منك أن تترك الدنيا، بل أن تضعها في حجمها الحقيقي.

أن تعمل… لكن لا تُستعبَد.

أن تفرح… لكن لا تنسى.

أن تخسر… لكن لا تنهار.

ولذلك يأتي بعدها ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ القرآن يعترف بالألم، لكنه لا يسمح له أن يقود الطريق.

ثم يختم المعنى بلمسة حاسمة: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾

القضية ليست في الدليل، بل في الاستعداد الداخلي للحق. وهنا لبّ الجزء السابع كله: ليس كل من رأى آمن، ولا كل من سمع اتبع،

لأن القلب إن تعلّق بالدنيا زيادة… أصبح الحق ثقيلًا.

فاسأل نفسك الليلة — بصوت منخفض: — لو وُضِع قلبي على الميزان، أين يميل؟

— هل الدنيا وسيلة في يدي…

أم صارت قيدًا في قلبي؟

— هل أعيش… أم أُلهى؟

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾

ليست دعوة للهروب، بل دعوة للاستيقاظ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *