( لا فتي إلا عمرو ) إذا احببت المرأة افنت عمرها فداء لمن تحب

كتب دكتور / شريف الجندي

تزوّج لقمان بن عاد امرأةً كانت في الأصل زوجةً لرجلٍ يُقال له عمرو، ثم افترق عنها عمرو فصارت بعد طلاقها زوجةً للقمان.

غير أنّ هذه المرأة كانت لا تكاد تكفّ عن ذكر زوجها السابق والإشادة به، فكانت تُكثر من القول أمام لقمان: «لا فتى إلاّ عمرو!»، تقصد بذلك أنه لا يوجد رجلٌ كامل الصفات في الشجاعة والمروءة والنجدة مثل عمرو.

وكان لقمان كلما سمعها تكرر هذا القول ازداد ضيقًا وغضبًا في نفسه، إذ كان يرى في كلماتها تعظيمًا لغيره وانتقاصًا منه، حتى بلغ به الغيظ مبلغًا شديدًا، فقال في نفسه وقسم قائلًا: والله لأقتلنّ عمرو!

فلما بلغ المرأة ما عزم عليه لقمان، سعت إلى منعه ونهيه عن هذا الفعل، وقالت له محذّرة: والله إنك إن تعرّضت له أو حاولت قتاله ليقتلنّك هو قبل أن تنال منه شيئًا. فقد كانت تعلم من شجاعة عمرو وبأسه ما يجعلها توقن أنّ المواجهة بينهما لن تكون في صالح لقمان.

غير أنّ كلماتها هذه لم تُطفئ ما في صدره من الغضب، بل بقي مصممًا على تنفيذ ما عزم عليه. فخرج يومًا حتى وصل إلى الموضع الذي كان عمرو يورد فيه إبله ليسقيها من الماء. وكان عند ذلك المورد شجرة سمرة عظيمة قائمة بالقرب من البئر التي تُسقى منها الإبل.

فتسلّق لقمان تلك الشجرة وصعد إلى أعلاها، ثم اتخذ بين أغصانها موضعًا يشبه العُشّ يختبئ فيه، ليبقى مستترًا عن الأنظار. وجلس هناك مترقبًا قدوم عمرو، منتظرًا اللحظة التي يستطيع فيها أن يصيبه على حين غفلة.

ولم يمض وقت طويل حتى جاء عمرو بإبله إلى ذلك المورد. فلما بلغ البئر، أورد إبله لتشرب، ثم تجرد من بعض ثيابه وانحنى على البئر يأخذ الماء ويسقي إبله بيده. وفي تلك اللحظة التي كان فيها منشغلًا بالسقي، رأى لقمان الفرصة التي كان ينتظرها.

فأخذ سهمًا من كنانته، ثم أطلقه من فوق الشجرة قاصدًا به عمرو، فأصاب السهم ظهره إصابةً واضحة.

فلما أحسّ عمرو بوقع السهم في ظهره قال متألمًا: «حَسٌّ إحدى لُقمان!» أي إن هذا الأثر يشبه فعل لقمان أو يدلّ عليه. ثم مدّ يده إلى السهم فانتزعه من ظهره، ورفع رأسه ينظر في اتجاه الشجرة التي جاء منها السهم، فإذا به يرى لقمان مختبئًا بين أغصان السمرة.

فناداه عمرو بصوت ثابت: انزل!

فنزل لقمان من الشجرة. فلما اقترب منه، أراد عمرو أن يقتله جزاء ما فعل به. لكن في تلك اللحظة تبسّم لقمان.

فتعجب عمرو من تبسمه في مثل هذا الموقف، وقال له مستنكرًا: أتضحك الآن؟

فقال لقمان: والله ما أضحك إلا من نفسي؛ فإني قد نُهيت عما ترى.

فسأله عمرو: ومن الذي نهاك عن هذا؟

قال لقمان: فلانة، يقصد زوجته.

فقال عمرو عند ذلك: فإن أنا وهبتك لها، أي جعلتك حرًا من أجلي لأجلها، فهل ستُعلِمها بذلك وتخبرها بما حدث؟

قال لقمان: نعم، أفعل.

فلما سمع عمرو ذلك عفا عنه وخلّى سبيله، فلم يقتله.

فرجع لقمان إلى امرأته، فلما رآها أعاد عليها قولها الذي كانت تردده دائمًا، فقال: «لا فتى إلا عمرو!»، ثم قال لها: لقد لقيته.

فسألته: أحقًّا لقيته؟

قال: نعم، وكان من الأمر كذا وكذا، ثم أخذ يحدّثها بما جرى بالتفصيل؛ كيف رماه بالسهم، وكيف كاد عمرو أن يقتله، ثم كيف عفا عنه ووهبه لها.

فلما سمعت المرأة القصة كاملةً قالت مرة أخرى، مؤكدة ما كانت تقوله من قبل: «لا فتى إلا عمرو!»

فقال لقمان عندئذ: صدقت.

ملحوظة(لقمان بن عاد ملك حميري ولا علاقة له بـ لقمان الحكيم)

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *