هدم رأي الشحارير في الوصية . دكتور / شريف الجندي

كتب دكتور / شريف الجندي
هدم رأي الشحارير في الوصية
يشن الشحارير هجومًا كبيرًا على. الفقهاء وخاصة الإمام الشافعي – يرحمهم الله تعالى – ويزعمون أنهم قدَّموا الحديث على القرآن وجعلوه ينسخه .. ومن المسائل التي يهاجمونهم فيها أن الله تعالى قال : ﴿ كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقًا على المتقين ﴾ .. فيهاجمونهم ظانين أنهم أخذوا بحديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – الذي قال فيه : ” إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث ” ، أو كما قال .
فالشحروري يرى أن الفقهاء أخذوا بالحديث وجعلهوه ناسخًا للنص القرآني مع أن المسلمين لم يفعلوا ذلك بل طبقوا آيات الميراث الواردة في سورة النساء .
وهنا ننوه إلى الآتي :
أولًا : الآية المذكورة تحمل من المعاني ما لا يدركه هؤلاء ربما لضعف محصولهم المعرفي ، وربما يدركه بعضهم غير أنهم يعملون على إخفائه عن عامة المتابعين مستغلين عدم تخصصهم أو عدم إلمامهم بجوهر الموضوع وحقيقة القضية .
لذلك نقول : إن مسألة توزيع الميراث خضعت للتدرج ، تمامًا كما حدث في مسألة الخمر .. فالآية التي معنا قيل فيها : إنها نزلت قبل تفصيل المواريث في سورة النساء .. من هنا لما نزل تفصيل المواريث قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” إن الله أعطى كل ذي حق حقه ، ألا لا وصية لوارث ” أو كما قال .. فحقيقة الأمر إذن أن الفقهاء أخذوا بتوزيع الميراث الوارد في سورة النساء التي لم تذكر أنه يباح الوصية للوالدين والأقربين .. ولكن أقرت الوصية لغير الوارثين .
من هنا يبطل زعمهم بأن الفقهاء تركوا القرآن وأخذ بالحديث .
ثانيًا : الله تعالى قال : ﴿ إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقًا على المتقين ﴾ .. فالآية تشير هنا إلى وصية الله – تعالى – في التوريث لا إلى وصية صاحب التركة ، فالله هو الذي أوصى وليس صاحب المتروك .. فالأصل في توزيع المواريث هو ما أوصى به تعالى ؛ لذلك ابتدأ – سبحانه – توزيع الأنصبة بقوله : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ .. فالأنصبة توزع وفق ما أوصى به الله تعالى .. لذلك قال الزمخشري :” وصية الله لكم في توريث الوالدين والأقربين ” .. راجع تفسير الزمخشري لهذه الآية .
من ثم فالتلبيس هنا أنهم يجعلون الوصية لتارك الموروث بينما هي لله تعالى .. ولما كانت الوصية هنا هي وصية الله – تعالى – فإن معنى الآية يكون : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت وترك خيرًا فإن وصية الله فيه أن يوزع على الوالدين والأقربين بالمعروف ؛ فهذا حقهم الذي لابد أن يلتزم به المتقون ﴿ حقًا على المتقين ﴾ .
ثالثًا : على الموصي أن يوصي بما أوصى به الله تعالى في المواريث .. ولمن خاف من الموصي أن يحيد عن الحق فله أن يُعدل الوصية لتكون في العدل والحق كما وزعه الله ﴿ فمن خاف من موصٍ جنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم فإن الله غفور رحيم ﴾ .
فالوالدان والأقربون يأخذون حقهم بالميراث الشرعي الذي هو حقهم ، بالتالي فمن المنطقي أن يكون الوضع أنه ” لا وصية لوارث ” ؛ لذا استقبلت الأمة هذا الحديث بالقبول .. لكون الوارث يأخذ حقه وراثة ، فلا يحتاج الأمر أن نوصي له ، إنما الوصية تكون لغير الوارث .. وهكذا تسقط ادعاءاتهم مرة أخرى في هذا السياق ؛ إذ أخذت الأمة بوصية الله – تعالى – في توزيع المواريث وفقًا لما جاء في سورة النساء .
رابعًا : ليس الشافعي هو من أخذ بحديث ” لا وصية لوارث ” ؛ فقد عملت به الأمة من قبل الشافعي ، حيث تلقت الأمة هذا الحديث بالقبول من أول وهلة لوعي علمائها باتساقه مع القرآن الكريم .
من هنا ينهدم رأيهم وينكشف عوار فكرهم .
والله من وراء القصد
د . أمان قحيف