قبل عملية "طوفان الأقصى" 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعها من حرب إسناد وعدوان إسرائيلي واسع على لبنان، لم يدر في بال أحد من قادة "حزب الله" أو حلفائه وحتى الخصوم، أن سحب سلاحه وتفكيك هيكله العسكري، سيكون البند الرئيسي في النقاش السياسي المحلي والإقليمي.
منذ اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان 1989، كان سلاح الحزب بمثابة محرّم أو "تابو" لا يجرؤ أحد على المس به. رُسم حوله خط أحمر تحميه معادلة "جيش، شعب، مقاومة" التي كانت بندا لازما في كل البيانات الوزارية للحكومات التي تشكلت بعد الطائف أثناء حقبة النظام الأمني السوري- اللبناني، وحتى بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان.
وقد جعله الدعم الإيراني الهائل بالمال والعتاد والإسناد السياسي والعسكري والمعنوي مؤسسة عسكرية سياسية وإعلامية هائلة لا يقوى عليها أحد لا في الداخل ولا من الخارج، تفرض مشيئتها وإرادتها على الآخرين، بما في ذلك اتخاذ قرار الحرب والسلم نيابة عن الدولة.
وكذلك فقد مدَّه بقاء الاحتلال الإسرائيلي في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وأجزاء من بلدة الغجر، بالشرعية اللازمة القانونية والسياسية، ذلك أن مقاومة الاحتلال حق تكفله كل الدساتير والشرائع المحلية والدولية.
ووفر نجاح المقاومة التي تصدرها الحزب بلا منازع في مراحلها الأخيرة، في تحرير معظم الأراضي اللبنانية المحتلة 2000 وتصديها لعدوان 2006، رصيدا معنويا والتفافا شعبيا واسعا حوله، لا سيما بين أبناء الطائفة الشيعية التي احتكر الحزب مع حركة "أمل" شريكته في "الثنائي الشيعي" تمثيلها في الحكومات والمجالس النيابية والبلدية المتعاقبة ومؤسسات الدولة.
حرب الإسناد التي أطلقها الحزب دعما لغزة، والرد الإسرائيلي عليها الذي بلغ ذروته عدوانا واسعا قضى على أبرز قادة الحزب وأركانه وضباطه الميدانيين في مقدمهم الأمين العام حسن نصرالله وخلفه هاشم صفي الدين، ودمر أجزاء كبيرة من بنية الحزب العسكرية والمدنية ومخازن سلاحه وترسانته الحربية، قلبت المعادلة رأسا على عقب.
إعلان
صار تجريد الحزب من سلاحه وتفكيك هيكله العسكري وانسحابه من معقله في الجنوب ليس فقط مطلبا لإسرائيل وحليفتها أميركا والغرب، بل أيضا مطلبا لشرائح لبنانية عدة، وجدت في قرار حرب الإسناد خطأ كبيرا جر البلاد إلى معركة غير مدروسة وكلفت أثمانا باهظة بشرية ومادية في وقت يرزح فيه لبنان تحت أعباء اقتصادية ومعيشية استثنائية.
وزاد الطين بلة عدم التزام إسرائيل بقرار وقف النار بموجب القرار 1701 المعدل ومواصلتها الغارات الجوية في الأرجاء اللبنانية واستهداف مواقع واغتيال قادة حزبيين رغم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني وفرض سيطرته هناك ودهمه مخازن عسكرية ومصادرته السلاح.
كما واصلت احتلالها العسكري لتلال عدة حاكمة وفرضت حصارا على القرى الحدودية ومنعت الأهالي من إعادة إعمار بيوتهم، وآزرها في ذلك فيتو أميركي يمنع وصول المساعدات إلى لبنان وكل أشكال الدعم في انتظار بسط سيادة الدولة على كل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بأيدي القوى الشرعية، والقيام بالإصلاحات اللازمة الاقتصادية والمالية والقانونية المطلوبة دوليا.
تطويق حزب الله بزنار نار
سريعا، جاءت النكسة الثانية للحزب من الشرق بسقوط نظام بشار الأسد في دمشق وخروج وحداته القتالية من سوريا، كذلك النفوذ الإيراني برمته من هذا البلد، الأمر الذي وضع الحزب بين نارين: خسارة الجسر الذي يربطه بإيران وطرق إمداده وظهيره الآمن، ووصول المعارضة السورية التي قاتلها بشراسة لسنوات طويلة، إلى كرسي السلطة في دمشق، وما قد يحمله هذا التغيير الجذري من ارتدادات سلبية على الحزب ومعاقله الشرقية في البقاع.
هكذا صار الحزب وسلاحه محاطا بزنار نار ومطوقا بالحصار:
إسرائيل، تعتبر نفسها انتصرت في الحرب وهزمت الحزب وتريد فرض شروطها تحت طائلة مواصلة ضرب مخازنه وقادته بلا رادع وممارسة أقسى الضغوط ضده، وهو في المقابل يحاذر الرد خشية توسيع نطاق القصف والاستهداف ليطول عمق المناطق السكنية لبيئته ومناصريه الذين دفعوا في الحرب الأخيرة أثمانا بشرية وعمرانية هائلة. الولايات المتحدة، دخلت الوساطة محملة بالمطالب الإسرائيلية وفرضت حصارا على لبنان كله حتى يستجيب لمطلب نزع سلاح الحزب والمخيمات الفلسطينية، وإجراء الإصلاحات المطلوبة منه تحت طائلة وقف كل أشكال المساعدات والتهديد بإنهاء مهمة القوة الدولية في جنوب لبنان "اليونيفيل" التي تخشى بيروت رحيلها حتى لا يصير الجيش اللبناني ذو الإمكانات العسكرية المتواضعة نسبيا، في مواجهة غير متكافئة مع الاحتلال الإسرائيلي. العهد والحكومة الجديدان، المثقلان بأعباء ثقيلة وتراكمات عقود من الفوضى، يدركان أن لا سبيل للخروج من الأزمة وبعث الأمل في نفوس اللبنانيين إلا عبر فرض سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية وحدها. وتاليا إلزام "حزب الله" بالتخلي عن سلاحه، في وقت يسبب بقاء الاحتلال حرجا سياسيا كبيرا لها ويظهرها بمظهر المستجيب للإملاءات الخارجية.وإذا تراجعت الدولة عن مطلب بسط سلطتها خسرت صدقيتها والدعم الدولي. لكنها في الوقت نفسه تحاذر من الذهاب بعيدا في خيار المواجهة المباشرة مع الحزب والزج بقواها الأمنية في مغامرة عسكرية خشية الانزلاق إلى محظور الاقتتال الداخلي وتهديد السلم الأهلي. ابتعاد بعض الحلفاء المحليين السابقين عن الحزب بعد النكسات التي أصيب بها وتراجع الدور الإيراني في الإقليم، ودخول أطراف خارجية على خط تأليب قوى سياسية وأحزاب ضده.
إعلان
وتجلى هذا الانفكاك بعدم تضامن أي مكون سياسي لبناني مع ممثلي الثنائي الشيعي عندما قاطعوا وحدهم جلسة الحكومة التي أقرت حصر السلاح بيد الدولة.
قرار "تاريخي" أم "خطيئة"؟
الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام أقرت في جلسة ترأسها رئيس الجمهورية جوزيف عون للمرة الأولى منذ اتفاق الطائف قرارا تاريخيا بحصر السلاح بيد الدولة، وكلفت الجيش اللبناني إعداد خطة لسحب السلاح غير الشرعي وبسط سيادة الدولة على أراضيها.
هذا القرار "الجريء" أغضب "حزب الله" ووصفه أمينه العام نعيم قاسم بأنه "خطيئة" وانصياع للإملاءات الأميركية التي "تصب في مصلحة إسرائيل".
ورفض رفضا قاطعا أي مساس بسلاح المقاومة، معتبرا أن دور الدولة يجب أن ينصب على مواجهة العدوان الإسرائيلي، وإنهاء الاحتلال، وإعادة الإعمار، وتحرير الأسرى، لا على نزع سلاح من يدافع عن الوطن.
ورأى أن "الالتزام الأميركي يسعى لتجريد لبنان من أوراق قوته، ومنع الجيش امتلاك سلاح يوازي التهديد الإسرائيلي".
الحزب منظمة عسكرية لها جناح سياسي
لماذا إصرار الحزب على التمسك بسلاحه على رغم أن منتقديه يرون أن هذا السلاح لم يتمكن من ردع العدوان الإسرائيلي، بل كان وسيكون سببا لمزيد من الخسائر والانتكاسات التي تطول لبنان وخصوصا بيئة الحزب ومناصريه ومناطقهم؟
يرتبط السلاح ارتباطا وثيقا بالحزب ومشروعه ويتمسك به كجوهر لقضيته. وفي الواقع انطلق "حزب الله" كتنظيم مقاوم بعد الاحتلال الإسرائيلي للبنان 1982، بدعم عسكري ومادي إيراني وغطاء سياسي وأمني سوري، واضطلع هذا السلاح بدور كبير في تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة إلى جانب "المقاومة الوطنية اللبنانية" التي تراجع دورها في المراحل الأخيرة من معركة التحرير لصالح المقاومة الإسلامية.
ويصف البعض "حزب الله" بأنه منظمة عسكرية لها جناح سياسي وليس العكس. وعلى رغم الضربات الموجعة التي تلقاها جهازه العسكري فإن كل التقديرات تشير إلى أنه لا يزال يملك قوة عسكرية فعالة تشمل صواريخ بعيدة المدى والمسيرات ومضادات الدروع.
ويحاجج ناشطو الحزب المطالبين بنزع سلاحه، بأنه خسر معركة ولم يخسر حربا، وبأن دور المقاومة هو لردع العدوان وليس لمنعه، وتاليا فإن سلاحه لا يزال ضرورة لصد الاحتلال وتوسعه في مناطق لبنانية جديدة.
وبما أن مقاومة الاحتلال حق شرعي تكفله المواثيق الدولية، فإن بقاء سلاحها ضرورة حتى إزالة العدوان وورقة قوة إضافية لصالح الدولة اللبنانية التي لا تملك أوراق القوة الكافية في مواجهة إسرائيل.
إلى ذلك، فإن الحزب يعتبر أنه خسر معركته مع إسرائيل وليس مع خصومه السياسيين في الداخل، وتاليا إذا كان لا بد من تسليم السلاح فلتأتِ إسرائيل بنفسها لنزعه، وخصوصا أن هذا السلاح مطلوب تدميره أميركيا وإسرائيليا ولن يتحول إلى ترسانة الجيش اللبناني كقوة دعم.
وهكذا فإن تسليم السلاح من وجهة نظر الحزب لا يفيد الدولة اللبنانية بقدر ما يخل بالتوازنات اللبنانية الداخلية الدقيقة، ويعزز كفة خصوم الحزب في الداخل على حسابه وحساب المكون الطائفي الذي يمثله.
وفي الواقع فإن القدرة العسكرية للحزب وتحالفه السياسي مع حركة "أمل"، ساهما بشكل فعال في جعل المكون السياسي الشيعي ركنا أساسيا في الحياة السياسية اللبنانية، بما في ذلك الاستحواذ على قرار الحرب والسلم، بحسب خصومه.
وعليه فإن أنصار الحزب يرون أن تسليم السلاح من شأنه أن يتسبب بخلل في المعادلات الطائفية القائمة في لبنان على حساب المكون الشيعي.
وهذا ما يرفضه منطق آخر يرى أن قيام الدولة هو الضامن الوحيد والحامي لكل المكونات الوطنية، وأن الخطاب الوطني هو الدرع الواقي للوطن. ويرى البعض الآخر أن السلاح قد يكون إحدى أوراق المقايضة في لعبة المحاصصة الطائفية القائمة في البلاد.
البعد الإقليمي للسلاح
يُضاف إلى ذلك البعد الإقليمي للسلاح، ذلك أن خصوم الحزب يرون أن دوره لم ينتهِ بعد في خضم المواجهة الإسرائيلية الإيرانية وفي "الكباش" السياسي بين واشنطن وطهران على الملف النووي.
إعلان
علما أن طهران تركت الحزب يواجه وحيدا محنته في لحظات الشدة، في حين لم يقدم سلاح الحزب أي عون لإيران في حرب الـ12 يوما. لكن، هؤلاء أنفسهم يعتقدون أن سلاح الحزب يبقى ورقة ضغط مهمة في اللعبة الإقليمية الكبرى.
ولدى الحزب قلق نماه بين بيئته أن التجارب السابقة مع إسرائيل غير مطمئنة، ذلك أنها لجأت إلى الخدع مرارا، بدليل ما جرى من مجازر في مخيمي صبرا وشاتيلا بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت 1982 وما يجري حاليا في الضفة الغربية وغزة، وما دام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يمني نفسه بقيام "إسرائيل الكبرى" التي تشمل لبنان، وكل فلسطين، وسوريا، والأردن، وأجزاء من العراق، ومصر.
وهكذا فإنه لا ضمانات للأمن والحماية سوى امتلاك وسائل الصد، وفي مقدمها السلاح. إلى ذلك لا يخفي الحزب عدم ارتياحه من التغييرات الكبيرة الجارية في سوريا واحتمال ارتدادها في لبنان الذي يؤوي أعدادا هائلة من النازحين السوريين.
وإزاء تمسُك الحزب بسلاحه والذي يزداد إصرارا يوما بعد يوم، وعدم قدرة الدولة اللبنانية على التراجع عن قرارها بحصرية السلاح لأن ذلك قد يكلفها الانهيار الشامل في ظل التفكك المزمن لمؤسساتها ودورها، وأمام الضغط السياسي والاقتصادي والمالي الهائل الذي تمارسه أميركا ومعها المجتمع الدولي على لبنان، ومواصلة إسرائيل عدوانها وتكثيفه ضاربة بكل المواثيق والاتفاقات الدولية عرض الحائط، تبدو الأمور أمام نقطة اللاعودة أو الانفجار الكبير.
طريق الجمر ونافذة الضوء
هل يسير لبنان مرة جديدة على طريق الجمر والاقتتال؟
رغم سوداوية المشهد، لا يزال هناك نافذة ضوء وبارقة أمل، ذلك أن التماسك الداخلي ولو بحده الأدنى قادر على الحيلولة دون الانفجار. وعلى رغم خطورة العدوان الخارجي فإنه يظل أقل وطأة من الاقتتال الأهلي.
صحيح أن التوتر السياسي الداخلي مرتفع السقف، لكن من الواضح أن لا قرار لدى أي طرف داخلي مهما علا خطابه السياسي بالذهاب نحو الاقتتال، ذلك أن طعم الحرب الأهلية لا يزال تحت أضراس اللبنانيين ولا يودون تكراره.
من الواضح أن مسار حصر السلاح سيستمر ولن يتوقف، لكن يمكن معالجته داخليا بتراجع كل من الأطراف خطوة إلى الوراء:
لا شك في أن الجيش اللبناني المكلف بوضع خطة لتطبيق حصرية السلاح، سيعد الخطة لكنه سيربط تنفيذها بموافقة كل الأطراف لا سيما "حزب الله"؛ تحسبا للدخول في مواجهة لا تُحمد عقباها على الجميع.وفي إمكان الدولة اللبنانية التراجع خطوة إلى الوراء بالانتقال من مبدأ "حصر السلاح" إلى "ضبط السلاح"، والذهاب نحو إستراتيجية دفاعية؛ بمعنى البحث عن خطة تضع السلاح تحت مراقبة الدولة التي سيعود إليها وحدها قرار الحرب والسلم، وفتح حوار جدي بين اللبنانيين لحفظ الوحدة والتماسك.
وتوفير الضمانات لكل المكونات بالحق في المشاركة في صنع القرار وحصر الهواجس والمخاوف، وتوفير القدرة على ردع العدوان بقيادة الجيش اللبناني والبحث عن الوسائل الكفيلة لطرد الاحتلال بمن في ذلك المقاومة الشعبية والسياسية وليس فقط الدبلوماسية.
أما "حزب الله"، فعليه التخفيف من حدة خطابه، والتركيز على حق لبنان في الدفاع عن نفسه وصد الاحتلال وتوفير الحماية للبنانيين، وإجراء تقييم ومراجعة لسياساته السابقة وخياراته القتالية، وابتداع وسائل جديدة لمقاومة المشروع الإسرائيلي الذي يستهدف الجميع، بعدما أثبتت الصيغ القديمة فشلها في الردع.فكما غيرت إسرائيل عقيدتها القتالية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، بات من الواجب على قوى المقاومة أيضا أن تغير إستراتيجيتها وتكتيكاتها والبحث عن مكامن ضعف الخصم وليس منافسته في نقاط قوته، مع الأخذ في الاعتبار البعد العربي لقضية فلسطين، وفشل أي خيار لا يحمل هذا البعد في عمق مشروعه المقاوم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
0 تعليق