رسائل المصريين بين الحسين والحجرة… تدينٌ واحد وطلبٌ واحد إلى الله

كتب الشريف/ محمد الحسني
رسائل المصريين بين الحسين والحجرة… تدينٌ واحد وطلبٌ واحد إلى الله
بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني
ليست القصتان مجرد واقعتين متباعدتين، بل هما شاهدان على حقيقة أعمق: أن التدين المصري واحد، داخل مصر وخارجها، وأن القلوب حين تكتب، فإنها تتجه إلى الله مهما اختلفت العبارات والمواضع.
رجل مصري يرسل إلى مقام سيدنا الحسين يطلب مائتي جنيه ليزوّج ابنته، وامرأة مصرية تكتب إلى سيدنا النبي صلوات الله عليه وآله ترجوه الذرية. كلاهما مسلم، وكلاهما لا يطلب إلا الله، لكنهما يعبّران عن رجائهما بما ألفته بيئتهما من لغة وجدانية، حيث يصبح المقام موضع بوح، لا مصدر عطاء مستقل.
في مصر، حين قرأ الرئيس جمال عبدالناصر الرسالة الأولى، تعامل معها بمنطق الدولة، فأعطى نصف المطلوب. لكن الرجل لم يرَ في الدولة مرجعه، بل في المعنى الذي قصد إليه، فعاد وكتب مصححًا: “أنت أمرت بمائتين، والرئيس أخذ مائة!”. هنا ضحك الرئيس، لأنه أدرك أن الطلب لم يكن إداريًا، بل وجدانيًا، فأمر بإكمال المبلغ، فصارت الدولة وسيلة لإتمام ما بدأه القلب.
وفي المدينة المنورة، كما يروي الدكتور مرزوق بن تنباك الحربي في شهادته: «كنتُ حاجبًا للنبي وقارئًا لرسائله»، تظهر الصورة نفسها خارج مصر. رسائل تُلقى عند الحجرة النبوية، تُفتح وتُمزق وفق نظام صارم، لكن مضمونها واحد: توسلات وطلبات من قلوب مؤمنة. ومن بين تلك الرسائل، رسالة امرأة مصرية تخشى الطلاق لعدم الإنجاب، قرأها وتأثر بها، وأعاد توجيهها بمعناه، وبعد زمن جاء الجواب: طفل… حياة… دعاء.
وهنا تتكشف الحقيقة الجامعة:
المرسل واحد في روحه، وإن اختلفت الأمكنة.
فالمصري حين يكتب في القاهرة، هو نفسه حين يكتب في المدينة.
والتدين الذي يحمله معه لا يتبدل بخروجه من بلده، لأنه ليس عادة مكان، بل حالة قلب.
إن هاتين الرسالتين تثبتان أن التدين المصري ليس ظاهرة محلية مرتبطة بجغرافيا، بل هو نمط وجداني مستمر، ينتقل مع الإنسان حيثما ذهب. فكما كتب الرجل في مصر، كتبت المرأة في المدينة، وكلاهما استند إلى الإيمان نفسه، والرجاء نفسه، واللغة نفسها في الطلب.
وهذا يكشف خطأ النظرة السطحية التي تظن أن اختلاف البيئة يغير طبيعة التدين؛ فالحقيقة أن التدين الأصيل يسكن الإنسان، لا المكان. وما دام القلب واحدًا، فإن التعبير سيبقى متشابهًا، حتى لو اختلفت السياقات.
وفي الحالتين، جاءت الإجابة:
في مصر، عبر قرار رئيس.
وفي المدينة، عبر قدرٍ تحقق.
لكن المعطي في الحقيقة واحد: الله،
والبشر لم يكونوا إلا أسبابًا في تمام ما كُتب بصدق.
وهكذا، بين مقام الحسين والحجرة النبوية، لا نرى اختلافًا في الجوهر، بل وحدة في المعنى:
إنسان مصري، يحمل تدينه معه، ويكتب رسالته إلى الله… فيجيبه الله، كيف شاء، وبمن شاء.
بصحبة أحد شيخين فاضلين يمثلان الهيئة ونقاء العقيدة، وهما الشيخ عبدالله العثمان الصالح وهو والد الدكتور ناصر الصالح مدير جامعة أم القرى سابقا، أو مع الشيخ عبدالوهاب الزاحم. وكل منهما له شخصيته وطريقته المميزة، فإذا جمعت الرسائل أقوم بفتحها أمام اللجنة لئلا يكون في داخلها أشياء مادية، أما مضمونها الأدبي فأقرأ بعضه على الشيخ وكلما سمع شيئا من التوسلات استعاذ بالله من الجهل والتوسل بالنبي ثم يأمر بتمزيقها، وأكثر الرسائل تأتي من العراق ومصر ومن إيران، كنت أتعاطف مع بعض هذه الرسائل لما فيها من جميل التوسلات والعواطف الدينية المؤثرة وأحيانا مطالب دنيوية، وقد أحاول الاحتفاظ ببعضها لقراءتها على النبي في وقت آخر. فإذا كان المناوب هو الشيخ الزاحم فالأمر معه صعب، فهو رجل يمثل الشخصية السلفية الصارمة، ولا يترك رسالة حتى أمزقها أمامه شر ممزق، ويتأكد أنني لم أحتفظ بشيء منها، وإذا شعر أنني ضقت بصرامته مزجها بمزحة لطيفة تخفف تلك الصرامة، والمزح معي قرآن يتلى، احذر يا مرزوق «من الأعراب منافقون» ولا يكمل، احتملتها في المرة الأولى وعاد إليها مرة ثانية، فكان الرد: نحن أمام الحجرات فاحذر يا شيخ عبدالوهاب «إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون»، فضحك كثيرا واستحسن الرد، وقال: هذه بتلك، وأصبح كلما رآني يقول: ما رأيك أيهما أشر المنافقون أم الذين لا يعقلون. أما إذا كان المناوب الشيخ عبدالله العثمان الصالح فالأمر هين، الرجل دمث الأخلاق سمح في تعامله، لا يرى التشدد في شيء، وأقرأ عليه بعضها ويكل إلي ما بقي منها، وما ينجو من التمزيق آتي به في الصباح إلى دكة الأغوات وأقترب من الشباك وألتصق به، وأقرأ على النبي الرسائل التي نجت والتي تشدني نصوصها وتوسلاتها بالنبي، ومنها رسالة تأثرت بمضمونها وتعاطفت معها، وهي من فتاة من الفيوم في مصر ذكرت للنبي أنها: فتاة فقيرة تزوجت محاميا ميسور الحال، ومضى على الزواج أربع سنوات ولم ترزق بولد وتخشى الطلاق، وتتوسل بالنبي أن يهبها الله ولدا.
أخذت الرسالة وقرأتها وشعرت وأنا أقرؤها أنها تكاد تطير من يدي وتلتصق بشباك الحجرة، وكررت القراءة. وكتبت إلى الفتاة أنني من حجاب الحجرة الشريفة ومن قراء الرسائل الموجهة للنبي، وأنني قرأت رسالتك على النبي وثقي بشفاعته، وتركت العنوان عند دكان أحد المعارف في باب الكومة. وبعد عام أو أكثر وصلني الرد وصورة طفل ودعوة منها ومن زوجها لزيارة مصر وكثير من الثناء والدعاء.
وقد ندمت لأنني لم أحتفظ بتلك الرسائل التي جمعتها وإلا لأصبح اليوم لها معنى.