منوعات

الهوية حين تُستبدل: من صلابة المعنى إلى سيولة التحالف

بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

ليست معادلات القوة في عالم اليوم محكومة بما يظهر على سطحها من جيوش وقواعد وتحالفات، بل بما يستقر في عمقها من تعريفٍ للذات؛ فالدولة التي تعرف من تكون، ولماذا تقاتل، وما الذي تريد حفظه في الوجود، لا تدخل الصراع كطرف سياسي فحسب، بل كحامل لمعنى يتجاوز حدود الجغرافيا، أما الدولة التي تعيد تعريف نفسها كل مرة وفق إيقاع الخارج، فإنها – وإن امتلكت أدوات القوة – تفقد مركزها وتتحول تدريجيًا إلى هامش ضمن منظومة لا تصنع قواعدها.

ومن هنا فإن النظر إلى التجربة الإيرانية، بعيدًا عن الموقف الأيديولوجي منها، يكشف حقيقة بنيوية لا يمكن تجاهلها: أنها لم تدخل صراعها مع الولايات المتحدة بمنطق الدولة المحايدة قيميًا، ولا بمنهج علماني يفصل السياسة عن العقيدة، بل بنت سرديتها على هوية دينية سياسية، جعلت الصراع عندها معركة معنى قبل أن يكون معركة مصالح. وهذا ما منحها قدرة على الاحتمال والاستمرار، لأن الكلفة حين تُفسَّر داخل إطار عقدي، تتحول من خسارة إلى تضحية، ومن ضغط إلى اختبار، ومن أزمة إلى قدر تاريخي.

في المقابل، يظهر نموذج الإمارات بوصفه حالة مختلفة في تعريف الذات؛ إذ اختارت أن تتموضع داخل النظام العالمي من بوابة الاقتصاد، والانفتاح، والتحالفات العابرة للهوية، وهو خيار سياسي مفهوم في سياق الدول الحديثة، غير أن الإشكال لا يكمن في هذا الخيار بحد ذاته، بل في الحد الذي يفصل بين الانفتاح بوصفه أداة قوة، وبين التحول إلى إعادة تشكيل الذات وفق معايير الخارج. فحين تتحول الدولة من مصدر معنى إلى مستهلك له، ومن مركز رؤية إلى ساحة لتقاطع الرؤى، فإنها تدخل مرحلة خطرة من التسييل الهوياتي، حيث لا تعود تملك معيارًا داخليًا تحاكم به قراراتها.

وهنا يتجلى ما يمكن تسميته بـ”وحل الصهيونية”، لا بوصفه توصيفًا عاطفيًا، بل باعتباره حالة بنيوية من الاندماج في شبكة تحالفات تُعاد فيها صياغة الأولويات السياسية والثقافية بما يخدم مركزًا خارجيًا محددًا، فتفقد الدولة قدرتها على التمييز بين الشراكة والتبعية، وبين التفاعل والذوبان. وفي هذه الحالة، لا يكون الخطر في التحالف ذاته، بل في تحوّله إلى مرجعية عليا تُعاد على أساسها هندسة الخطاب والسياسة والهوية معًا.

إن الدول التي تبني قوتها على الخارج دون أن تؤسسها في الداخل، قد تحقق ازدهارًا سريعًا، لكنها تظل مهددة بفقدان التوازن عند أول تحوّل استراتيجي، لأن ما لا يقوم على أصلٍ راسخ، لا يصمد أمام تبدل السياقات. فالتحالفات بطبيعتها متغيرة، والمصالح لا تعرف ثباتًا، أما الهوية فهي وحدها التي تمنح الاستمرارية، لأنها الإطار الذي يُعاد من خلاله تفسير المتغيرات دون فقدان الاتجاه.

ومن هنا، فإن الأزمة في بعض النماذج الخليجية التي تسير في هذا المسار ليست أزمة سياسية عابرة، بل أزمة تعريف؛ إذ لم يعد السؤال: كيف نبني علاقات مع القوى الكبرى؟ بل: على أي أساس نبني أنفسنا ونحن نفعل ذلك؟ وهل نحن فاعلون في صياغة هذه العلاقات، أم أننا نُعاد صياغتنا من خلالها؟ لأن الدولة التي لا تملك تصورًا ذاتيًا واضحًا، ستجد نفسها – مع مرور الوقت – تعيش داخل تصورات الآخرين عنها.

إن الهوية ليست خطابًا تعبويًا يُستدعى عند الحاجة، بل نظام عميق يحدد معنى الوجود السياسي ذاته، فإذا غاب هذا النظام، تحولت الدولة إلى كيان وظيفي، يؤدي أدوارًا مرسومة له ضمن شبكة مصالح أكبر، دون أن يمتلك القدرة على إعادة تعريف موقعه فيها. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين من يقف في قلب المعادلة، ومن يتحرك على أطرافها.

العالم يتغير بسرعة، والتحالفات تُعاد صياغتها على إيقاع المصالح الكبرى، لكن ما يبقى في نهاية المطاف هو ما كان له جذر في هوية لا تُستبدل بسهولة، أما ما بُني على ظرفٍ عابر، فإنه يزول بزواله. ولذلك فإن السؤال الأعمق الذي ينبغي أن تطرحه الدول على نفسها ليس: مع من نتحالف؟ بل: من نحن قبل أن نتحالف؟ لأن من لا يملك تعريفًا ثابتًا لذاته، سيجد نفسه – عاجلًا أو آجلًا – جزءًا من تعريف يكتبه غيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *