حين تُولد الفنون من الهامش… كيف سبقت امرأةٌ في ترقش مؤسساتٍ كاملة

بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
الفنون الأدائية ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي أول لغة عرفها الإنسان قبل أن يكتب، حين عبّر عن خوفه ورجائه وفرحه بالحركة والصوت والإيقاع، فهي امتداد فطري للتعبير الإنساني، من حول النار في المجتمعات البدائية إلى خشبات المسارح الحديثة.
وحين نتأملها نجد أنها تقوم على ثلاثة أركان:
الجسد، الصوت، والزمن؛ فالجسد يروي، والصوت يترجم، والزمن يمنح اللحظة معناها. ولهذا فالفن الأدائي ليس نصًا يُقرأ، بل تجربة تُعاش، ولذلك تأثيره أعمق من أي فن آخر.
ما شاهدته في ترقش لم يكن مجرد صالة تُقدّم عروضًا، بل كان لحظة صادقة تُعيد تعريف معنى الفنون الأدائية خارج القوالب الرسمية، حيث تقف امرأة تقود المشهد لا بوصفها مديرة نشاط، بل باعتبارها حارسةً لروح الفن، تُخرجه من الورق إلى الحياة، ومن اللوائح إلى التجربة، ومن التصنيف إلى الإحساس.
هناك، في ذلك المكان البسيط، سقطت كل الفوارق بين “المؤسسة” و”الموهبة”، لأن الفن حين يكون صادقًا لا يحتاج إلى شعار، ولا إلى اعتماد، ولا إلى ميزانية ضخمة، بل يحتاج إلى قلبٍ يؤمن به، وعين ترى ما لا يُرى، وجرأة تكسر الرتابة. ولهذا استطاعت تلك السيدة أن تفعل ما عجزت عنه بعض الجمعيات؛ لأنها لم تبدأ من الهيكل، بل من الإنسان.
الفنون الأدائية لا تُصنع في المكاتب، بل تُولد في اللحظة، في التفاعل، في الجرأة على الوقوف أمام الآخر دون وسائط، ولهذا فإن ما قدمته تلك الصالة لم يكن “عرضًا”، بل كان “حضورًا”، حضورًا حيًا يختصر الفكرة التي غابت عنا طويلًا: أن الفن ليس نشاطًا يُدار، بل حالة تُعاش.
وإذا كانت الجمعيات تُعنى بالفنون من حيث التنظيم والتأطير، فإن هذه التجربة تجاوزت ذلك إلى ما هو أعمق؛ إلى إعادة الفن إلى أصله الأول، حين كان وسيلة تعبير فطرية لا تخضع للمعايير الباردة، ولا تُقاس بعدد الفعاليات، بل بمدى صدق الأثر الذي تتركه في النفس.
إن الفارق بين ما رأيته هناك وما يُقدّم في كثير من الفعاليات الرسمية، هو الفارق بين فن يُؤدّى لإثبات الوجود، وفن يُؤدّى لأنه ضرورة وجود، الأول يبحث عن التصفيق، والثاني يخلق حالة لا تحتاج إلى تصفيق لأنها تسكن الوجدان.
ولعل أهم ما في هذه التجربة أنها كسرت وهم “الاحتكار الثقافي”، وأثبتت أن المبادرة الفردية حين تكون صادقة قادرة على أن تسبق المؤسسة، بل وأن تعيد توجيهها، فالمؤسسات حين تتأخر عن روح المجتمع تصبح مجرد هياكل، بينما ينهض الأفراد ليعيدوا بث الحياة في ما جفّ.
إن ترقش هنا لا تمثل مكانًا، بل تمثل فكرة: أن الإبداع لا ينتظر الإذن، وأن الفن الحقيقي لا يُولد في الضوء الرسمي، بل في تلك المساحات الصغيرة التي يظنها البعض هامشية، فإذا بها تصنع المركز.
وفي النهاية، لم يكن المشهد عن صالة تقودها امرأة، بل عن وعيٍ جديد يُولد بصمت، يقول لنا إن الفنون الأدائية لن ينهض بها القرار، بل التجربة، ولن يصنعها الدعم وحده، بل الإيمان بها، وأن من يملك الشغف الصادق… يسبق الجميع، ولو بدأ من ترقش.
ترقش مركز في محافظة عسير