*الغزالى و صلاح جاهين * . دكتور/ شريف الجندي

كتب دكتور/ شريف الجندي
*الغزالى و صلاح جاهين *
أذكر لشيخي محمد الغزالي موقفا عظيما.
في ٢٧ من مايو عام ١٩٦٢ انعقد المؤتمر الوطني للقوي الشعبية برئاسة جمال عبد الناصر، وكان أحد المتحدثين فيه الشيخ محمد الغزالي ، وفي ٢٨ من مايو ١٩٦٢ خرجت صحيفة «الأهرام» تحمل أخبار المؤتمر في صدر صفحاتها، ومنها كلمة الغزالي، والتي طالب فيها بتحرير القانون المصري من التبعية الأجنبية، وتوحيد الزي بين المصريين،
والتأكيد علي حشمة المرأة، وألا تكون عارية الصدر والظهر والساقين، وتضمنت الصفحة الأولي من الأهرام صورة الشيخ الغزالي متحدثاً أمام أعضاء المؤتمر وتحتها تعليق :
«لأول مرة في المؤتمر الوطني تعرضت المرأة لهجوم من الشيخ محمد الغزالي ولم تسكت عليه عضوات المؤتمر، فقاطعنه أكثر من مرة».
وفي اليوم التالي كانت آراء الشيخ الغزالي هي موضوع كاريكاتير صلاح جاهين، وحمل الكاريكاتير عنوان «هاجم الشيخ محمد الغزالي كل القوانين والأفكار الوافدة من الخارج» ، أما الرسم فكان يصور الشيخ واقفاً علي المنصة يلقي كلمته منفعلاً أمام رواد المؤتمر، وقد سقطت عن رأسه عمامته البيضاء، وتحت الرسم التعليق الساخر :
«الشيخ الغزالي : يجب أن نلغي من بلادنا كل القوانين الواردة من الخارج، كالقانون المدني وقانون الجاذبية الأرضية» !!!
وغضب الشيخ الغزالي لذلك ولم يسكت، وفي جلسة المؤتمر التي انعقدت صباح يوم صدور الجريدة راح الشيخ يهاجم صلاح جاهين، الذي قام بنشر كاريكاتير آخر أكثر سخونة في ٣٠ مايو يسخر فيه من آراء الشيخ الغزالي في المرأة والزي الذي ترتديه.
وبالطبع هاجم الشيخ الغزالي ، فعاد لمهاجمة صلاح جاهين في جلسات المؤتمر، ورد علي سخريته من آرائه رداً عنيفاً، وشرح الأهداف التي قصدها من وراء كلمته التي ألقاها في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، وهي اعتراضه علي أن يظل الشرق العربي الإسلامي محكوماً بقانون فرنسي، وأنه لم يهاجم القوانين العلمية الثابتة كالجاذبية الأرضية، لأن الإسلام ليس ضد العلم، وأشار إلي سخرية صلاح جاهين من عمامته في رسوماته .
وحرض أصحاب العمائم قائلاً: «إن مهاجمة العمامة البيضاء أمر يستدعي أن يمشي العلماء عراة الرأس إذا لم تحم عمائمهم»، وقال «إنه لم يركز في كلمته علي قضية الأزياء، فإذا كانت الكلمة قد استغرقت ٢٠ دقيقة فإن موضوع الأزياء لم يستغرق أكثر من ٣ دقائق».
في صباح اليوم التالي «الجمعة» أول يونيو ١٩٦٢ فوجئ قراء الأهرام بستة رسوم كاريكاتيرية لجاهين، وهو عدد غير مسبوق، وحملت الرسومات الستة عنواناً هو :
«تأملات كاريكاتيرية في المسألة الغزالية» ، وكان الواضح من هذه الرسوم أن المعركة بينه وبين الشيخ الغزالي .
فتحت عنوان :
«أبوزيد الغزالي سلامة» رسم صلاح جاهين الشيخ / الغزالي وهو يمتطي فرساً علي طريقة أبوزيد الهلالي، ووجه الشيخ صوب ذيل الفرس، ويحمل في يده حربة مخيفة مكتوباً عليها : «الإرهاب باسم الدين»، وتحت الرسم تعليق شعري ساخر يقول:
هنا يقول أبوزيد الغزالي سلامة
وعينيه ونضارته يطقو شرار
أنا هازم الستات ملبسهم الطرح
أنا هادم السينما علي الزوار
أنا الشمس لو تطلع أقول إنها قمر
ولو حد عارض.. يبقي من الكفار
ويا داهية دقي لما أقول ده فلان كفر
جزاؤه الوحيد الرجم بالأحجار
فأحسن لكم قولوا (آمين) بعد كلمتي
ولو قلت الجمبري ده خضار
قام الشيخ الغزالي بنقل المعركة إلي المنبر، وشن هجوماً ساحقاً علي صلاح جاهين ورسوماته أثناء الخطبة، وكانت لكلمات الشيخ وبلاغته فعل السحر في نفوس المصلين، وكان أغلبهم من طلبة الأزهر المتحمسين المريدين للشيخ ومن أتباعه، فما إن انتهت شعائر الصلاة حتي خرج الشباب في مظاهرة عارمة حملوا فيها الشيخ الغزالي علي الأعناق، ثم توجهوا إلي مبني جريدة «الأهرام»، وارتفعت أصواتهم بالثورة علي صلاح جاهين، وكادوا من فرط الغضب يعتبرونه عدواً للإسلام، ولم يكتفوا بالصياح، بل التفوا حول المبني ورموه بالطوب وكسروا زجاجه، وغضب الأستاذ هيكل من هذه التصرفات الطائشة، فكتب مقالاً وقعه باسم «الأهرام» اتهم فيه الشيخ الغزالي بتحريض المتظاهرين.
وكان علي المسؤولين أن يتدخلوا لفض المعركة، التي باتت تهدد الأمن والنظام، ففي اليوم التالي نشرت الأهرام خبراً عن اتصال بين كمال الدين حسين، نائب رئيس الجمهورية، والأمين العام للمؤتمر الوطني للقوي الشعبية، والأستاذ هيكل رئيس تحرير الأهرام، طلب منه تجاوز موضوع الخلاف بين الجريدة والشيخ الغزالي، وضرورة الانصراف إلي مناقشة الميثاق، كما أكد أن احترام الدين وإجلاله أمر يحرص عليه الجميع.
هذا ما نشرته الأهرام، وما لم تنشره هو أن كمال الدين حسين طلب من الأستاذ هيكل ودياً إجراء مصالحة فورية بين الشيخ الغزالي وجاهين، وبالفعل تلقي الغزالي دعوة لزيارة الأهرام، والتقي الغزالي هيكل الذي أكد مجدداً دور الشيخ ومكانته، ولأن الأهرام لم يقصد الإساءة لشخصه، وإن الخلاف في وجهات النظر لا يعني الخصومة والعداء !!! واستدعي هيكل جاهين إلي مكتبه وتم الصلح.
إلا أن كمال الدين حسين لم يشعر بالارتياح في الجلسة فلقد كانت النار مشتعلة في جسد فضيلة الشيخ ، لأن غضبته لم تكن لنفسه ولكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهنا لاحت له فكرة عبقرية ، ماذا عليه لو صلى رئيس الجمهورية ومعه مجلس قيادة الثورة خلف فضيلة الشيخ / الغزالي في جامع عمرو بن العاص !!
فوجئ فضيلة الشيخ في صلاة العشاء وقبل القيام للصلاة بهرج ومرج على باب المسجد ثم ما هي إلا لحظة أو تكاد حتى رأى رئيس الجمهورية / جمال عبد الناصر ومعه مجلس قيادة الثورة !!
كان الشيخ يجلس في القبلة ، لم يبد أي ردة فعل ولكنه اقام الصلاة وتقدم المسلمين وبعد أن أمرهم بالاستقامة ، حتى يرحمهم الله ، بدأ الصلاة وفي الركعة الأولى وبعد قراءته للفاتحه قرأ من سورة الأحزاب :
“وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا”
وكبر وركع وسجد ثم قام للركعة الثانية وقرأ تكملة الأية الكريمة:
“رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا”
وكبر وأتم صلاته
في اليوم التالي تم اعتقاله !!!
الظريف في الأمر ، أنه رضي الله تعالى عنه فور أن تلا قوله تعالى: رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا..
حتى انفجر الجامع كله في نفس واحد : “أمين”
رحم الله شيخي فارس الكلمة .