‏من تارودانت إلى مكة فدمشق… الروداني يهدم أسطورة احتكار الإصلاح ويثبت أن الحجاز سبق الدعوات المتأخرة بقرنٍ من التجديد المؤسسي

‏بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

‏ليس كل من ورد اسمه في مشيخات التصوف يُقرأ صوفيًا، ولا كل من عاش في بيئة الزوايا يُحسب عليها إطلاقًا، فالتاريخ – إذا أُحسن قراءته – يكشف عن شخصيات مركّبة، خرجت من داخل البيئات نفسها لتعيد تقويمها، وهذا ما يتجلى بوضوح في سيرة الإمام محمد بن سليمان الروداني، الذي وُلد سنة 1037هـ في تارودانت بسوس الأقصى، ثم ارتحل في طلب العلم حتى استقر به المقام في مكة المكرمة، حيث تحوّل من طالبٍ إلى مُصلح، ومن راوٍ إلى صاحب مشروع.

‏إن من يقرأ رحلاته، خاصة ما ورد في مشيخة أبي المواهب، قد يظن أنه كان جزءًا من التيار الصوفي، غير أن تجربته العملية في مكة تنقض هذا التصور السطحي؛ فقد كان الرجل يعيش داخل هذا الفضاء، لكنه مارس عليه نقدًا داخليًا صارمًا، فميّز بين التصوف كتهذيب وسلوك، وبين ما لحق به من مظاهر رآها انحرافًا عن المقصد.

‏وحين أسند إليه الإفتاء بدعم من الشريف بركات، لم يكن ذلك تكريمًا رمزيًا، بل تفويضًا لإعادة ترتيب المجال الديني والاجتماعي في مكة، فبدأ مشروعه الإصلاحي من مفصل الوقف، وهو عصب الحياة العلمية آنذاك، فأخرج المنتفعين الذين حوّلوا الأوقاف إلى ملكيات موروثة، وأعاد توجيهها إلى مستحقيها من طلبة العلم المجاورين الذين لا مأوى لهم، ملتزمًا بشروط الواقفين، لا ناقضًا لها، بل مصححًا لمسارها.

‏ولم يقف عند هذا الحد، بل استعاد مؤسسات تعليمية كمدرسة الشرابية، وأعاد توزيعها، وتدخل في بنية مدرسة قايتباي، فأضاف مدرسين للمذاهب، واستبدل مدرس الحنابلة بمدرس حديث، في إشارة واضحة إلى إعادة مركزية السنة في التعليم، كما أنشأ التكايا لإطعام الفقراء، فكانت “الدشيشة” تُعد من ريع أوقاف جقمق وقايتباي، جامعًا بين التقويم والرعاية، بين المنع والبناء.

‏وفي المجال الاجتماعي، اتخذ قرارات حازمة ضد ما رآه من مظاهر بدعية، فمنع البناء على القبور، ومنع دق الطبول في الزوايا، ومنع خروج النساء ليلة المولد، وهي مواقف لا يمكن فهمها إلا في سياق مشروع يسعى إلى تنقية التدين الشعبي دون هدم بنيته، بل بإعادة توجيهه.

‏كما أنشأ رباطًا للفقراء عند باب إبراهيم، وأسكن فيه أهل اليمن، وبنى مقبرة في المعلاة عُرفت باسمه، حتى صار أثره جزءًا من جغرافية مكة نفسها، حيث تُنسب إليه حارة السليمانية كما ذكر المؤرخ محمد علي السباعي، في دلالة على أن الإصلاح عنده لم يكن خطابًا عابرًا، بل تحولًا عمرانيًا واجتماعيًا مستدامًا.

‏ورغم أن أعماله يطول سردها، إلا أن قاسمها المشترك كان واضحًا: خدمة العوام وطلبة العلم؛ فهو لم ينشغل بتنظير مجرد، بل انحاز إلى الإنسان البسيط، فأمّن له الطعام والمأوى، وفتح له أبواب العلم، وأعاد توزيع الموارد لصالحه، في نموذج إصلاحي يبدأ من القاعدة لا من القمة.

‏وقد لخّص الشيخ الدكتور حاتم العوني الشريف هذه الحقيقة حين وصف الروداني بأنه رائد حركة إصلاح في الحجاز قبل مولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهي شهادة لا تُقرأ بوصفها رأيًا معاصرًا، بل باعتبارها تصحيحًا لمسار تاريخي أُسيء اختزاله، إذ تثبت أن الإصلاح في الحجاز كان موجودًا، ومؤسسيًا، ومدعومًا من أشراف مكة، لا طارئًا ولا مفروضًا من خارج السياق. ليست قيمة الإمام محمد بن سليمان الروداني فيما كُتب عنه لاحقًا، بل فيما شهد له به معاصروه ممن عاينوه، ووقفوا على منجزه، ومن أصدق تلك الشهادات وأوثقها ما أورده الرحالة المغربي أبو سالم العياشي، الذي لم يكن ناقلًا بعيدًا، بل صاحب معرفة شخصية بالمترجم، فجاء وصفه للآلة الجامعة وصف العارف المندهش، لا السامع المقلّد.

‏إن العياشي، وهو يصف هذه الآلة، لا يقدم مجرد تقرير تقني، بل يرسم لوحة تكاد تكون مزيجًا من العلم والجمال؛ كرة مستديرة مصقولة، تتداخل فيها الدوائر والتجاويف، وتتشابك فيها خطوط البروج، حتى تصبح المفاهيم الذهنية المجردة – من دوائر فلكية وتقاطعات حسابية – أشياء محسوسة تُرى بالعين، وتُدرك بسهولة، وتُستعمل في سائر البلاد باختلاف خطوطها وأطوالها.

‏وهنا تكمن عبقرية الروداني:

‏لم يكن مجرد شارح لعلم الهيئة، بل محولًا له من تجريد نظري إلى تمثيل حسي، وهو ما عبّر عنه العياشي بدقة حين قال إن العقول كانت تتحير في تصور هذه العلاقات ذهنيًا، فإذا بالروداني يخرجها إلى العيان، فيرى الناظر ما “يذهل الفكر ويحير النظر”.

‏ولم يترك هذا الابتكار غامضًا، بل ألّف رسالته “النافعة على الآلة الجامعة”، ليشرح كيفية استعمالها، في دلالة على أن مشروعه لم يكن استعراضًا علميًا، بل نقلًا للمعرفة إلى التداول

‏إن الروداني – الذي ختم حياته في دمشق سنة 1094هـ ودُفن عند سفح قاسيون –‏لا يمثل مجرد عالم رحّالة، بل يمثل مرحلة كاملة من الوعي الإصلاحي الإسلامي، حيث تداخل الحديث مع الفقه، والتصوف مع النقد، والوقف مع العدالة الاجتماعية، والعلم مع العمران.

‏ومن هنا، فإن استحضار تجربته لا يُعد مجرد إنصاف لشخصية تاريخية، بل هو إعادة بناء للوعي، وتحرير له من سردية أحادية تزعم أن الإصلاح بدأ متأخرًا، بينما الحقيقة أن مكة – في ظل الأشراف – كانت تمارس إصلاحها الذاتي منذ قرون، عبر علماء من طراز الروداني، الذين أثبتوا أن التجديد في الإسلام ليس حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا ممتدًا… تتعدد وجوهه، وتتفق غايته: إعادة الدين إلى صفائه، والمجتمع إلى توازنه.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *