حديث عمار بين يقين التواتر وتناقض الطرح… قراءة علمية في صناعة الإشكال لدى : ‫#بشار_عواد‬

الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

ليس الخلاف في حديث «تقتل عمارًا الفئة الباغية» خلافًا في أصل ثبوته، فذلك مما استقر عند أئمة الحديث قديمًا وحديثًا، وإنما الخلاف في طريقة عرضه وتأطيره في الخطاب المعاصر: هل يُعرض بمنهج الجمع والتحقيق، أم بمنهج الانتقاء والإيحاء؟ وهذه هي النقطة التي تكشف التناقض في الطرح الذي نُسب إلى بشار عواد معروف.

إن هذا الحديث قد دار في طبقات الرواية المبكرة قبل زمن محمد بن إسماعيل البخاري، وثبت في مصنفات سابقة كـ جامع معمر بن راشد، الذي يُعد من أوائل ما دُوّن في السنة، ثم رُوي بأسانيد متعددة عن جماعة من الصحابة، وتلقّاه الحفاظ جيلاً بعد جيل، حتى أخرجه مسلم بن الحجاج في صحيح مسلم، وأثبته أئمة كبار من شيوخ البخاري، مثل أحمد بن حنبل في مسند الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وورد كذلك في مصنف ابن أبي شيبة، ثم استمر عند تلاميذ هذه المدرسة، وفي كتب السنن والمسانيد، مما يدل على انتشاره واستقراره في البيئة العلمية قبل البخاري وبعده.

وقد بلغ هذا الحديث من القوة أن نصّ الحافظ ابن حجر العسقلاني على تواتره، وهو حكم لا يُطلق إلا على ما بلغ الغاية في الثبوت، بحيث يفيد العلم اليقيني، لا الظني. وهذا يعني أن الحديث لا يُبحث في أصل صحته، بل في دلالاته وتوظيفاته.

ومع ذلك، جاء الطرح المعاصر ليُعيد صياغة المسألة بطريقة مبتورة: يُطرح سؤال جزئي—هل أخرجه البخاري بلفظه أم لا؟—ثم يُبنى عليه إيحاء بوجود إشكال، مع إغفال متعمد أو غير متعمد لمجموع الطرق، ولحكم الأئمة، ولانتشار الحديث في مصادر متعددة. وهنا يظهر التناقض؛ إذ لا يستقيم أن يُقرّ الباحث بثبوت الحديث—بل بتواتره—ثم يُعيد تقديمه في صورةٍ توحي بضعفه أو الإشكال فيه.

أما ما يُثار حول عدم وجود لفظ «الفئة الباغية» في معظم نُسخ صحيح البخاري، فهو من جهةٍ صحيح الوصف، لكنه غير صحيح الاستنتاج؛ لأن اختلاف الروايات داخل الكتاب الواحد أمر معروف، وقد أشار ابن تيمية وابن كثير وابن رجب الحنبلي إلى هذا الاختلاف، بينما جمع ابن حجر العسقلاني الروايات، وبيّن أن اللفظ ثابت في بعض النسخ، كنسخة ابن السكن، وأن هذه الزيادة مدعومة بروايات خارج البخاري أصلًا.

وهنا يتضح أصل المسألة:

أن البخاري لم يكن جامعًا لكل الصحيح، بل كان منتقيًا وفق شرطه الخاص، وقد يورد الحديث مختصرًا أو بغير تمام لفظه، وهو منهج معروف في كتابه، لا يُفهم منه إسقاط ولا إنكار. ومن ثم فإن غياب اللفظ في بعض رواياته لا يقدح في الحديث، ولا يُعدّ دليلًا على إشكاله.

بل إن النظر في الأسانيد يكشف أن هذا الحديث قد جاء من طريق قتيبة بن سعيد—وهو شيخ للبخاري ومسلم—وتابعه عليه جماعة من الثقات بنفس اللفظ، كما في صحيح مسلم، وورد عند غيره كـ السنن الكبرى للبيهقي ومسند السراج، مما يدل على استقرار اللفظ وانتشاره في أكثر من مدرسة حديثية، وهو ما يرفع الحديث إلى درجة الرسوخ التي لا تتأثر بانتقاء لفظي في كتاب واحد.

إن الإشكال الحقيقي—إذن—ليس في الحديث، بل في زاوية النظر إليه؛ حين يُفصل جزء من الصورة عن بقيتها، ويُقدّم للمتلقي على أنه يمثل الكل. وهذا المنهج—وإن بدا في ظاهره علميًا—فإنه في حقيقته يُنتج وعيًا مضللًا، ويُسهم في تغذية خطابٍ مذهبي معاصر، عبر إعادة إحياء نقاط خلاف تاريخية بطريقة انتقائية.

والعلم، في ميزانه الدقيق، لا يُبنى على الإثارة، بل على الجمع؛ ولا على الانتقاء، بل على التكامل؛ ولا على إسقاطات الواقع، بل على فهم النص في سياقه ومنهجه.

في النهاية نخلص :

إن حديث «تقتل عمارًا الفئة الباغية» ثابتٌ ثبوتًا قويًا بلغ حد التواتر عند بعض الأئمة، وقد رُوي قبل البخاري وبعده، وعند شيوخه وتلاميذه، وفي مصنفات متعددة، وأن ما يُثار حوله من إشكالات إنما هو نتيجة قراءة جزئية، لا تمسّ أصل الحديث، بل تكشف عن خللٍ في منهج العرض.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *