الشعاع الذي يبدو في ظاهره نقيا وبسيطا وكاملا لكن حين اعترض مساره بمنشور زجاجي؛ انكشفت حقيقة عجيبة.

كتب دكتور/ شريف الجندي

في عام 1666 حبس إسحاق نيوتن نفسه في غرفة مظلمة، وسمح لشعاع يتيم من الضوء الأبيض أن يخترق العتمة.

شعاع يبدو في ظاهره نقيا وبسيطا وكاملا لكن حين اعترض مساره بمنشور زجاجي؛ انكشفت حقيقة عجيبة.

البياض لم يكن لونا واحدا مصمتا.

لقد كان طيفا متراكبا من ألوان شتى، تداخلت بدقة لتنتج هذا النقاء.

المنشور فكك حقيقة الضوء وفصل مكوناته.

هو مزيج من ألوان الطيف الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، السماوي، البنفسجي

كرر نيوتن التجربة عكسيا ليمرر الشعاع المنقسم فقام بوضع منشور آخر مقلوب لاستقبال ألوان الطيف، فأعاد المنشور الثاني الألوان إلى ضوء أبيض مرة أخرى.

ثم ابتكر قرصًا مقسمًا لألوان الطيف، وعند دورانه بسرعة عالية، تمتزج الألوان ليظهر القرص باللون الأبيض، ما أكد فكرة أن البياض في جوهره ليس وحدة بسيطة، إنما هو حالة من “التوازن” المحكم والامتزاج بين أطياف مختلفة تتكامل لإخراج الشعاع..

يرى المحققون أن نيوتن لم يكن الأول وأنه وقف على أكتاف علماء سبقوه بقرون.

ابن الهيثم الذي أرسى قواعد البصريات في “المناظر”، وابن سهل الذي صاغ قانون الانكسار، وكمال الدين الفارسي الذي استخدم كرة زجاجية في حجرة مظلمة ليفكك ألوان قوس قزح قبل منشور نيوتن الزجاجي بثلاثمائة عام.

لكن دعك من معارك الأسبقية التاريخية لمن اكتشف ومن سبق.

ما يعنيني هنا هو الفكرة الكامنة خلف التجربة وما أكدته من أن البياض في جوهره ليس وحدة بسيطة، إنما هو حالة من “التوازن” والامتزاج كما قلت..

وأي خلل في هذا التوازن لا ينتج أبدا نفس البياض النقي.

هذا يشبه إلى حد بعيد ما يحدث عن تحليل التكوين النفسي والروحي للإيمان.

حين يمرر الوحي شعاع الإيمان عبر منشوره الخاص.. سيتفكك الامتزاج لترى التكامل.

“إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِینَ وَٱلۡمُسۡلِمَـٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ وَٱلۡقَـٰنِتِینَ وَٱلۡقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِینَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِینَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَـٰشِعِینَ وَٱلۡخَـٰشِعَـٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِینَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَـٰتِ وَٱلصَّـٰۤىِٕمِینَ وَٱلصَّـٰۤىِٕمَـٰتِ وَٱلۡحَـٰفِظِینَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَـٰفِظَـٰتِ وَٱلذَّٰكِرِینَ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ”

الآية هنا لا ترص صفات تجميلية للزينة بل تضعك تحت المجهر وتفككك تكوينك الإيماني طبقة طبقة.

الإيمان الذي تظنه كتلة صلبة مريحة، هو في الحقيقة بناء معقد وتوازن دقيق بين معطيات متكاملة..

إسلامٌ تذعن فيه جوارحك، وإيمانٌ يرسخ به اليقين في قاع قلبك.

قنوتٌ يضمن استمرار السير دون انقطاع، وصدقٌ يفرض انضباطاً على فلتات لسانك وتقلبات نيتك.

صبرٌ على أنياب البلاء وخشوعٌ يكسر العلو بداخلك.

صدقةٌ تفك بها ارتهانك القاتل للمادة، وصومٌ تروض به تمرد الجسد.

حفظٌ صارم للفرج يمثل إمساكاً صارما لأشرس شهواتك وأكثرها إلحاحاً في غرفتك المغلقة.

ثم ذكرٌ دائم لله، ينسج لك أنساً ويمدك بثبات لا يهتز في أشد لحظات وحشتك وعزلتك.

التعامل مع هذه التركيبة بمنطق الانتقاء العشوائي قد يعكر الطيف بل قد يغير اللون بالكلية.

وقد يزيل البياض كله!

تقف في الصفوف طويلا، لكنك تعجز عن كبح نزواتك في الخلوة.

تتصدق بمالك، وتستطيل بلسانك على الخلق.

تذكر الله، لكنك لا تضبط انفعالاتك.

هنا قد لا يكون الأمر مجرد خلل جزئي عابر لا يخلو منه إنسان.. ولكن قد يصل إلى تفكك العناصر الأصلية التي تشكل نقاءك مما يؤدي إلى طيف مختل، وتوازن مكسور..

ثم يصير اللون الذي تعكسه روحك في النهاية ليس هو النور الذي تتمنى ويورث النتيجة التي تطمح إليها في آخر الآية.

“أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةࣰ وَأَجۡرًا عَظِیمࣰا”

هذا الأجر العظيم لا يُمنح لخليط عشوائي لم يستقر بعد.

المغفرة هنا تتويج لصراع داخلي مرير من أجل الحفاظ على التوازن والوصول إلى أقصى درجات النقاء..

لا أقول النقاء الكامل فكلنا نحمل شظايا تشغب أحيانا على الطيف النهائي

لكن العبرة ألا ينهار البياض بالكلية أو يفتقد تماما لأحد الأطياف العشرة في الآية..

أن تقف وحدك بأطيافك أمام منشور البلايا والفتن..

ثم تخرج منه بشعاع أبيض.

تخرج منه مؤمنا…

#رسائل

#طرقات_على_باب_التدبر

سورة #الأحزاب

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *