من سنجق حماة إلى سواحل الخليج: زعب القيسية في دفاتر الدولة وحركة القبائل المقاتلة . ملمح تاريخي :
✍️ الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
حين تظهر وثيقة عثمانية سنة 967هـ تذكر الشيخ غرغور القيسي في Hama Sanjak وهو يتفاوض مع Ottoman Empire على الزمامت مقابل التزام مالي سنوي، فإننا لا نقرأ خبر شيخ قبيلة فحسب، بل نقرأ نموذجًا مبكرًا للعلاقة بين الدولة والقبيلة داخل المجال العثماني؛ علاقة تقوم على المال مقابل الاعتراف، وعلى الرجال مقابل الشرعية السياسية. فالدولة كانت تحتاج من يضبط البادية، ويحشد الفرسان، ويحمي طرق التجارة والقوافل، بينما كان الشيخ يبحث عن فرمان يمنحه سلطة رسمية على قومه.
لكن قيمة الوثيقة لا تتوقف عند حدود الشام، إذ إن تتبع اسم زعب وفروعها في المصادر اللاحقة يكشف حضورًا ممتدًا على الضفة الشرقية من Arabian Gulf، في Al-Ahsa، وقرب Qatar، ثم على ساحل Oman. هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل كانت هذه مجرد هجرات بدوية تبحث عن الماء والمرعى؟ أم أننا أمام حركة أوسع لفروع قيسية جرى توظيفها حيث تحتاج الدولة أو القوى المحلية إلى رجال السيف والخيل؟
الربط بين الوثيقة العثمانية والروايات المحلية يوحي بأننا أمام ما يمكن تسميته “الاحتياط العربي المقاتل”؛ قبائل تمتلك النسب، لكنها في نظر الدولة تمتلك قبل ذلك القدرة على الحشد والقتال والانضباط الجماعي. ولهذا لم يكن غريبًا أن تفاوض الدولة شيخًا مثل غرغور، ولا غريبًا أن نجد الفروع نفسها لاحقًا في الثغور الشرقية، حيث كانت المنطقة تعيش صراعًا مفتوحًا مع النفوذ الفارسي ثم البرتغالي، وتحتاج إلى قبائل تعرف ركوب الخيل كما تعرف حماية الساحل.
إن تكرار هذه الأسماء في دفاتر السلطنة، ثم ظهورها في الخليج، لا يروي فقط قصة قبيلة… بل يكشف جغرافيا القوة العربية داخل الإمبراطورية؛ من بادية الشام إلى مياه الخليج، ومن دفتر الخزينة إلى ساحات القتال. وهنا تتحول زعب من اسم في النسب إلى شاهد حي على حركة القبائل القيسية التي شاركت في صناعة توازنات المنطقة لقرون.
