( همسات في وقت السحر ) . قبس من كتاب الله

كتب/ ابراهيم القطامي

 قبس من كتاب الله

*******************************

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا استَجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسولِ إِذا دَعاكُم لِما يُحييكُم وَاعلَموا أَنَّ اللَّهَ يَحولُ بَينَ المَرءِ وَقَلبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيهِ تُحشَرونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]

 

تفسير السعدي:

يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم، وهو الاستجابة لله وللرسول؛ أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه والانكفاف عنه والنهي عنه. وقوله: ﴿إذا دعاكم لما يُحييكم﴾: وصفٌ ملازمٌ لكل ما دعا الله ورسوله إليه وبيانٌ لفائدته وحكمته؛ فإن حياة القلب والروح بعبوديَّة الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام. ثم حذَّر عن عدم الاستجابة لله وللرسول، فقال: ﴿واعلموا أنَّ الله يَحول بين المرء وقلبِهِ﴾: فإياكم أن تردُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيُحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم؛ فإن الله يَحولُ بين المرء وقلبه؛ يقلِّب القلوب حيث شاء، ويصرِّفها أنَّى شاء، فليكثرِ العبد من قول: يا مقلِّب القلوب! ثبِّتْ قلبي على دينك. يا مصرِّف القلوب! اصرفْ قلبي إلى طاعتك. ﴿وأنَّه إليه تُحشرون﴾؛ أي: تُجمعون ليوم لا ريبَ فيه، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه.

وفي الخاتمه 

وقت السحر هو ذلك الفضاء الزمني المبارك الذي يسبق طلوع الفجر، حيث يسكن الضجيج وتصفو الأرواح، وهو من أعظم الأوقات التي يُستحب فيها التدبر والاتصال بخالق الكون.

إليك قبسات مختارة من كتاب الله تضيء بها ظلمات السحر وتلامس بها شغاف القلب:

1. الاستغفار: شعار المتقين في الأسحار

يصف الله عز وجل عباده الأبرار الذين استحقوا الجنان بصفة ملازمة لهم في هذا الوقت:

{وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات: 18)

في السحر، حين يغرق الناس في النوم، يرتفع أنين المستغفرين؛ فالاستغفار في هذا الوقت ليس مجرد كلمات، بل هو تطهير للروح وطلب للأمان.

2. الثناء واليقين: فضل قيام الليل

في وقت السحر، تتجلى أعظم صور العبودية في الصلاة والتهجد، كما جاء في وصف عباد الرحمن:

{وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (الفرقان: 64)

البيت الذي يُذكر فيه الله في السحر يكون كالكوكب الدري لأهل السماء، فاجعل لنفسك نصيباً ولو بركعتين في خلوة لا يراك فيها إلا هو.

3. السكينة واليقين بلقاء الله

يقول الله تعالى آمراً نبيه ﷺ، وهو أمر لكل مؤمن يرجو السكينة:

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} (الإسراء: 79)

التهجد في السحر هو “زاد الطريق”؛ فمن أراد رفعة الشأن وطمأنينة القلب، فليطرق باب السحر بالقرآن والدعاء.

4. التسبيح حين إدبار النجوم

تأمل في هذا التوجيه الإلهي الجميل:

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} (الطور: 49)

حين تبدأ النجوم في الاختفاء إيذاناً ببدء الفجر، يكون التسبيح في تلك اللحظات له وقع خاص، وكأن الكون كله يسبح معك في معزوفة كونية خاشعة.

همسة ختامية:

إن وقت السحر هو وقت “النزول الإلهي” كما جاء في الأثر، حيث يُنادي المنادي: “هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟”. فلا تجعل هذا الوقت يمر دون أن تترك فيه أثراً من ذكر أو دمعة خضوع أو دعوة صادقة من أعماق قلبك.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *