قرن القاعة.. حين تحولت أعمدة البازلت إلى دفاتر للمسافرين نقوش ثمودية جديدة تكشف دور عسير في طريق البخور القديم

 الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

في قلب عسير، شمال شرقي خميس مشيط، يقف جبلٌ فريد لا يشبه كثيرًا من جبال الجزيرة العربية. أعمدة بازلتية شاهقة متراصة، كأنها أسوار مدينة أسطورية نحتتها الطبيعة عبر آلاف السنين. هذا الجبل المعروف باسم قرن القاعة لم يكن مجرد تكوين جيولوجي نادر، بل كان شاهدًا صامتًا على مرور القوافل والتجار والرعاة، حتى تحولت صخوره إلى صفحات مفتوحة دوّن عليها الإنسان القديم أسماءه ورسائله المختصرة قبل أكثر من ألفي عام.  

وتزداد أهمية هذا الموقع بعد الدراسة العلمية التي نشرها الباحث الدكتور فايز أنور عبدالمطلب مسعود، والتي تناولت مجموعة من النقوش الثمودية غير المنشورة سابقًا، وقد أشار الباحث في مقدمة دراسته إلى أن مواد هذه النقوش أمدّه بها الدكتور محمد بن علي الحسني والباحث فالح الوتيد الناهسي الشهراني.

إن القيمة الحقيقية لقرن القاعة لا تكمن في النقوش وحدها، بل في موقعه ضمن نطاق مخلاف جرش التاريخي؛ ذلك الإقليم الذي شكّل إحدى أهم الحواضر العربية الواقعة بين مكة ونجران. وكانت جرش مركزًا اقتصاديًا وسياسيًا يخدم مساحة واسعة من جنوب الجزيرة العربية، حتى وصفتها المصادر بأنها من أعظم مراكز التجارة قبل الإسلام وفي صدره.

ومن هنا نفهم سر وجود هذه النقوش على أعمدة الجبل. فقرن القاعة يقع على أحد المسارات المرتبطة بطريق البخور الشهير، الطريق الذي كانت تسلكه القوافل المحملة باللبان والمرّ والعطور الثمينة القادمة من جنوب الجزيرة العربية نحو مكة ويثرب والشام. وقد اعتاد المسافرون عبر هذا الطريق أن يتركوا أسماءهم على الصخور كما يترك المسافر المعاصر توقيعه في سجل الزوار.

واللافت للنظر أن النقوش المكتشفة لا تتحدث عن ملوك أو حروب أو أحداث كبرى، بل عن أناس عاديين مروا من هنا. أسماء مثل: شهل، وسمم، وعمن، ووعد، وشب، وتمم، ووهبل، وعصد. إنها أسماء أفراد اختفت أجسادهم منذ قرون طويلة، لكن حروفهم بقيت حية على البازلت الأسود تقاوم الزمن.

ومن أجمل ما توصلت إليه الدراسة وجود لفظة “مق” التي فُسرت بمعنى الطول الفاحش في الدقة، وهي كلمة تكاد تكون وصفًا مباشرًا لأعمدة الجبل نفسها؛ تلك الأعمدة البازلتية الطويلة التي ترتفع كالرماح في السماء. وكأن أحد العابرين وقف مبهورًا بالمشهد فوصف الجبل بكلمة واحدة اختصرت هيبته كلها.

كما كشفت النقوش عن ألفاظ تحمل معاني إنسانية مألوفة مثل “ودد” الدالة على المحبة والمودة، وأخرى تشير إلى أحداث أو أفعال يومية. وهذا يعكس أن النقوش الثمودية لم تكن دائمًا نصوصًا رسمية، بل كانت في أحيان كثيرة تعبيرات شخصية تركها أصحابها في لحظة عابرة من حياتهم.

ومن المثير أن الجبل يخلو تقريبًا من الرسوم الصخرية التي تشتهر بها مواقع أخرى في الجزيرة العربية. ويرجح الباحث أن السبب يعود إلى طبيعة الأعمدة البازلتية الضيقة التي لا توفر مساحات مناسبة للرسم، فاستعاض الناس عن الصور بالكلمات. وهكذا أصبحت الحروف هي الفن الوحيد الممكن على هذه الواجهات الحجرية العمودية.

إن قرن القاعة يقدم لنا درسًا مهمًا في قراءة التاريخ. فالتاريخ لا يُكتب دائمًا في قصور الملوك أو سجلات الدول، بل قد يختبئ في اسمٍ محفور على صخرة، أو كلمة كتبها مسافر مجهول ثم مضى. وما هذه النقوش إلا أصوات بعيدة وصلت إلينا من عمق الزمن لتخبرنا أن هذه الأرض كانت حيّة، نابضة بالحركة، ومتصلة بشبكات التجارة والثقافة والحضارة منذ أقدم العصور.

واليوم، يقف قرن القاعة بوصفه أحد الكنوز الأثرية في عسير، يجمع بين جمال الطبيعة وروعة الجيولوجيا وأهمية التاريخ، ويستحق أن يحظى بمزيد من الدراسة والتعريف والحماية، باعتباره شاهدًا حجريًا على طريق البخور، ودفترًا مفتوحًا حفظ أسماء أناسٍ رحلوا وبقي أثرهم.

الوعي بالتراث نصف الحفظ… والتوثيق العلمي نصف البقاء.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *