كتب/ إبراهيم القطامي
قصة أصحاب السبت
أبطال هذه الحادثة، جماعة من اليهود، كانوا يسكنون في قرية ساحلية.
اختلف المفسّرون في اسمها، ودار حولها جدل كثير.
أما القرآن الكريم، فلا يذكر الاسم ويكتفي بعرض القصة لأخذ العبرة منها.
وكان اليهود لا يعملون يوم السبت، وإنما يتفرغون فيه لعبادة الله.
فقد فرض الله عليهم عدم الانشغال بأمور الدنيا يوم السبت بعد أن طلبوا منه سبحانه أن يخصص لهم يوما للراحة والعبادة، لا عمل فيه سوى التقرب لله بأنواع العبادة المختلفة.
وجرت سنّة الله في خلقه، وحان موعد الاختبار والابتلاء، اختبار لمدى صبرهم واتباعهم لشرع الله، وابتلاء يخرجون بعده أقوى عزما، وأشد إرادة، تتربى نفوسهم فيه على ترك الجشع والطمع، والصمود أمام المغريات.
لقد ابتلاهم الله عز وجل، بأن جعل الحيتان تأتي يوم السبت للساحل، وتتراءى لأهل القرية، بحيث يسهل صيدها، ثم تبتعد بقية أيام الأسبوع.
فانهارت عزائم فرقة من القوم، فاحتالوا على الله وبدؤوا بالصيد يوم السبت.
لم يصطادوا السمك مباشرة، وإنما أقاموا الحواجز والحفر، فإذا قدمت الحيتان يوم السبت، علقت في تلك الحواجز، ثم يصطادونها يوم الأحد.
كان هذا الاحتيال صيدا في يوم السبت، وهو محرّم عليهم.
فانقسم أهل القرية لثلاث فرق، فرقة عاصية، تصطاد بالحيلة، وفرقة لا تعصي الله، وتقف موقفا إيجابيا مما يحدث، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المكر، وتحذر المخالفين من غضب الله، وفرقة ثالثة، سلبية، لا تعصي الله لكنها لا تنهى عن المنكر.
وكانت الفرقة الثالثة، تتجادل مع الفرقة الناهية عن المنكر وتقول لهم: ما فائدة نصحكم لهؤلاء العصاة؟ إنهم لن يتوفقوا عن احتيالهم، وسيصبهم من الله عذاب أليم بسبب أفعالهم، فلا فائدة من تحذيرهم بعدما كتب الله عليهم الهلاك لانتهاكهم حرماته.
وبصرامة المؤمن الذي يعرف واجباته، كان الناهون عن المنكر يجيبون: إننا نقوم بواجبنا في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، لنرضي الله سبحانه، ولا تكون علينا حجة يوم القيامة.
وربما تفيدهم هذه الكلمات، فيعودون إلى رشدهم، ويتركون عصيانهم.
بعدما استكبر العصاة المحتالون، ولم تجد كلمات المؤمنين نفعا معهم، جاء أمر الله، وحل بالعصاة العذاب.
لقد عذّب الله العصاة وأنجى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
أما الفرقة الثالثة، التي لم تعص الله لكنها لم تنه عن المنكر، فقد سكت النصّ القرآني عنها.
لقد كان العذاب شديدا، لقد مسخهم الله، وحوّلهم لقردة عقابا لهم لإمعانهم في المعصية.
وتحكي بعض الروايات أن الناهون أصبحوا ذات يوم في مجالسهم، ولم يخرج من المعتدين أحد.
فتعجبوا وذهبوا لينظروا ما الأمر.
فوجودا المعتدين وقد أصبحوا قردة.
فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابها من القردة; فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي; فيقال لهم: ألم ننهكم! فتجيب القردة برأسها! نعم.
وبرؤية أخري
قصة أصحاب السبت هي إحدى القصص القرآنيّة البليغة التي تُظهر عاقبة التحايل على أوامر الله ونواهيه. وقد وردت تفاصيلها في سورة الأعراف، وجاء ذكرها سياقًا في سورتي البقرة والنساء.
إليك تفاصيل القصة ومجرياتها:
1. القرية والابتلاء
كان أبطال هذه الحادثة جماعة من بني إسرائيل (اليهود)، يعيشون في قرية ساحلية تطل على البحر (قيل هي “أيلة” على ساحل البحر الأحمر). وكان عملهم الأساسي هو صيد الأسماك.
أراد الله سبحانه وتعالى أن يختبر إيمانهم وطاعتهم، ففرض عليهم تعظيم يوم السبت، وحرّم عليهم صيد الأسماك والعمل فيه تمامًا، وجعل لهم بقية أيام الأسبوع للاعتياش والصيد.
2. الامتحان الصعب والتحايل
هنا بدأت الفتنة والابتلاء الإلهي؛ إذ كانت الأسماك والحيتان تأتي يوم السبت بكثرة كاثرة وتطفو على سطح الماء بشكل مغرٍ وبمتناول الأيدي (وهو معنى قوله تعالى: {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا}). أما في بقية أيام الأسبوع، فكانت الأسماك تختفي وتغوص في الأعماق ولا يكادون يجدون منها شيئًا.
أمام هذا الإغراء، لم يصبر فريق منهم، وبدلاً من الامتثال لأمر الله، فكروا في حيلة ذكية (في ظنهم) للالتفاف على التشريع:
قاموا بحفر خنادق وبرك مائية على الشاطئ يوم الجمعة.
عندما تأتي الأسماك يوم السبت وتدخل هذه البرك مع المدّ، تحبسها شباكهم وحواجزهم فلا تستطيع العودة للبحر.
ويوم الأحد، يأتون ويصطادونها ويأكلون منها!
وكان لسان حالهم: “نحن لم ننتهك السبت، ولم يصطد أحدنا شيئًا فيه!”، بينما هم في الحقيقة قد وقعوا في جوهر المعصية بالتحايل.
3. انقسام أهل القرية
حين شاعت هذه الحيلة وظن أصحابها أنهم نجوا، انقسم أهل القرية تجاه هذا المنكر إلى ثلاث فرق:
الفرقة العصاة (المحتالون): الذين انتهكوا حرمة السبت بالتحايل واصطادوا الأسماك.
الفرقة الصالحة والآمرة بالمعروف: الذين رفضوا الفعل، ولم يكتفوا بإنكار المنكر بقلوبهم، بل جهروا بالنصح والتحذير للعصاة، وحذروهم من غضب الله وعقابه.
الفرقة السلبية (الاعتزالية): وهم أناس صالحون في أنفسهم، لكنهم لم ينهوا عن المنكر. بل إنهم عتبوا على الفرقة الناصحة قائلين لهم: لِمَ تعظون ناسًا قد حكم الله بهلاكهم أو عذابهم؟ كما صور القران موقفهم: {إِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا}.
فكان ردّ الفرقة الناصحة بليغًا: {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}؛ أي إننا ننصحهم إبراءً للذمة أمام الله، ورجاءً في أن يتوبوا.
4. العقاب الإلهي الخاطف
لما استكبر العصاة ورفضوا الاستماع للنصح، ولم تنجح معهم كل المحاولات، جاء أمر الله وحلّ العقاب.
أنجى الله عز وجل الفرقة التي كانت تنهى عن السوء، وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس. ولم يكن العذاب هلاكًا بالمواد العادية، بل مسخًا تشويهيًا مخزيًا؛ حيث مسخهم الله إلى قردة خاسئين ذليلين، قال تعالى: {فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}.
العِبرة من القصة
حرمة التحايل على حدود الله: الله يعلم السر وأخفى، والتحايل على الأحكام الشرعية بتبديل المسميات أو الطرق الظاهرية مع بقاء جوهر المعصية هو ذنب عظيم يُوجب المقت.
أهمية الإيجابية والأمر بالمعروف: لم ينجُ من العذاب إلا من قام بواجبه في النصح والإنكار، فالسكوت على المنكر خطوة أولى نحو الهلاك الجماعي.