إذا شملتكم رحمة الله وبركاته… فلا مجال للتعجب
بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
من الآيات التي تستحق الوقوف طويلًا بالتأمل والتدبر قول الله تعالى في جواب الملائكة لسارة زوج إبراهيم عليهما السلام بعدما تعجبت من البشارة بالولد وهي عجوز عقيم: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.
والذي يلفت النظر أن الملائكة لم تبدد تعجبها بالحديث عن القدرة الإلهية ابتداءً، ولم تدخل في شرح كيفية وقوع الحمل، وإنما نقلتها مباشرة من النظر إلى الأسباب إلى النظر إلى الله، فقالت: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾. وكأن هذا الجواب يحمل قاعدة قرآنية عميقة؛ فإذا أحاطت بالعبد رحمة الله، وحلت عليه بركاته، فلا يبقى للتعجب موضع، لأن رحمة الله لا تقف عند حدود المألوف، وبركته لا تخضع لحسابات البشر، وأمره سبحانه لا تقيده السن، ولا يمنعه العقم، ولا تعجزه الأسباب.
إن التعجب ينشأ حين تكون الرؤية محصورة فيما يراه الإنسان بعينه، أما الإيمان فيحرر القلب من أسر الأسباب إلى سعة المسبب سبحانه. فسارة نظرت إلى شيخوختها وعقمها، فجاءها الجواب ليصرف نظرها إلى رحمة الله وبركاته، لأن من علق قلبه بالأسباب تعجب، ومن علق قلبه بالله اطمأن، وعلم أن خزائن الله لا تحدها قوانين البشر.
ومن هنا يتجلى معنى عظيم غفل عنه كثير من المسلمين وهم يرددون كل يوم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقد أصبحت هذه الكلمات عند كثير من الناس شعارًا يتكرر على الألسنة، بينما هي في حقيقتها دعاء بأعظم ما يحتاجه الإنسان. فالسلام هو الأمان من المخاوف، والرحمة هي فيض العطاء الإلهي الذي يتجاوز الاستحقاق، والبركة هي دوام الخير ونماؤه وثباته، وهي التي تجعل القليل كثيرًا، والضعيف قويًا، والعقيم أمًا لنبي، والشيخ الكبير أبًا لرسول كريم.
وحين يدعو المسلم لأخيه بقوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهو لا يؤدي تحية اجتماعية، بل يسأل الله له أن يحيطه بما إذا نزل عليه تبدلت حياته، وانفرجت كرباته، واتسعت أرزاقه، وأثمرت أعماله، وأصبح فضل الله ظاهرًا عليه. ولو استحضر المسلم هذا المعنى عند كل سلام، لتحولت التحية من عادة إلى عبادة، ومن لفظ مألوف إلى دعاء حيّ يخرج من القلب قبل اللسان.
ولعل هذه الآية تعلمنا درسًا لا يقتصر على قصة سارة، بل يمتد إلى كل مؤمن يضيق بالأسباب أو يستبعد الفرج أو يظن أن الأبواب قد أغلقت. فالقرآن يوجهه إلى الحقيقة الكبرى: لا تنظر أولًا إلى ما تملكه من أسباب، بل انظر إلى ما عند الله من رحمة وبركة؛ فإذا شملتك رحمة الله، وبارك لك فيما أعطاك، فلا يبقى شيء في أقداره يدعو إلى التعجب، لأن الله إذا أراد أمرًا هيأ له من رحمته وبركته ما يجعل المستحيل في نظر الناس واقعًا مشهودًا.
وهكذا يختتم القرآن هذا المشهد باسمين جليلين: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾؛ فهو سبحانه محمود في قضائه، مجيد في عطائه، واسع الفضل، عظيم الإحسان. فمن امتلأ قلبه يقينًا برحمة الله وبركاته، لم يعد يقيس أقدار الله بمقاييس البشر، بل أيقن أن رحمة الله إذا نزلت، فلا مجال بعدها للتعجب، وإنما يكون مقام المؤمن التسليم، والثقة، وحسن الظن برب العالمين.
