‏النص التاريخي بين حجية المصدر وسلامة الاستدلال ‏قراءة منهجية في النقل عن ابن جبير والإسحاقي

 الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

 

‏من أكثر الأخطاء التي يقع فيها الباحثون عند التعامل مع المصادر التاريخية الخلط بين النص الأصلي والنص المنقول، وبين زمن الرواية وزمن الناقل، ثم بناء نتائج قطعية على هذا الخلط. وهذا ما يتجلى في الاستدلال بعبارة وردت في رحلة الإسحاقي عن المغاربة الذين استوطنوا بعض نواحي الطائف، حيث استُعملت لإثبات واقع سكاني في القرن الثاني عشر الهجري، بل تعدى الأمر إلى تنزيلها على أسر بعينها، مع أن ذلك لا يحتمله النص، ولا يقره المنهج العلمي.

‏فالشيخ الإسحاقي لم يكتب هذا الوصف بوصفه شاهد عيان، وإنما نقله عن الرحالة الأندلسي ابن جبير، الذي زار الحجاز سنة 581هـ، بينما كانت رحلة الإسحاقي سنة 1143هـ، أي إن بين الرحلتين ما يقارب خمسة قرون ونصف.

‏وهنا تبرز قاعدة أصيلة في البحث التاريخي، وهي أن النص المنقول يحتفظ بقيمته الزمنية الأولى، ولا يكتسب تاريخًا جديدًا بمجرد أن ينقله مؤلف متأخر. فالناقل لا يجعل الرواية معاصرة لعصره، وإنما ينقل شهادة قيلت في زمن سابق، فتظل حجيتها مرتبطة بذلك الزمن حتى يثبت أنه يعيد وصف الواقع الذي شاهده بنفسه.

‏ومن هنا فإن اعتبار كلام الإسحاقي دليلًا على واقع القرن الثاني عشر الهجري هو في حقيقته استدلال بنص من القرن السادس الهجري، دون وجود شاهد مستقل يثبت استمرار الحال طوال هذه المدة الطويلة. وهذا ما يسميه المؤرخون الإسقاط الزمني، وهو من أكثر أسباب الخطأ في قراءة المصادر التاريخية.

‏ولا يقف الإشكال عند هذا الحد، بل إن دلالة النص نفسها لا تساعد على النتائج التي بُنيت عليه. فابن جبير لم يذكر اسم أسرة، ولا قبيلة، ولا بطنًا معينًا، ولم ينسب تلك الأعمال الزراعية إلى بيت معروف، وإنما قال:

‏«قد جلب الله إليها قومًا من المغاربة ذوي بصارة بالفلاحة والزراعة، فأحدثوا فيها بساتين ومزارع…»

‏فالنص جاء بصيغة العموم، إذ تحدث عن قوم، أي جماعة، ووصفهم بأنهم من المغاربة، دون تحديد أسمائهم أو أنسابهم أو عددهم أو مواطنهم الدقيقة.

‏والقاعدة الأصولية والقانونية تقرر أن العام يبقى على عمومه حتى يرد دليل يخصصه، وأن المطلق لا يقيد إلا بدليل. ولذلك فإن تخصيص هذا النص بأسرة معينة أو قرية بعينها هو انتقال من العام إلى الخاص بلا مخصص، ومن المطلق إلى المقيد بلا قرينة، وهو استدلال لا يستقيم علميًا.

‏كما أن النص نفسه لم يحصر هؤلاء المغاربة في الهدا، بل ذكر مواضع متعددة، فقال: «ومن بطن مر، ومن نخلة، ومن أودية بقرب البلد كعين سليمان وسواها…»، مما يدل على أن الحديث عن نطاق جغرافي واسع، لا عن موضع واحد، فضلاً عن أن يكون خاصًا بعائلة معينة.

‏ولو سلّمنا جدلًا بصحة الاستدلال بالنص، فإنه لا يثبت إلا وجود جماعات من المغاربة مارسوا الزراعة في تلك الجهات في القرن السادس الهجري، ولا يثبت بقاءهم خمسة قرون ونصف، ولا يثبت انحصارهم في موضع معين، ولا يثبت انتساب أسرة معاصرة إليهم.

‏ولهذا فإن بناء حقائق تاريخية أو أنساب أو دعاوى سكانية على هذا النص وحده يعد تجاوزًا لما يحتمله الدليل؛ لأن الدليل لا يعطي أكثر مما يدل عليه، وهذه قاعدة مشتركة بين المؤرخين والفقهاء والقانونيين.

‏إن المنهج العلمي لا يعترض على نص ابن جبير، ولا يشكك في صدقه، وإنما يعترض على طريقة توظيف النص. فهناك فرق بين ثبوت النص وصحة الاستدلال به؛ فقد يكون النص صحيحًا، بينما يكون تنزيله على واقعة أخرى أو زمن آخر أو أشخاص آخرين تنزيلًا غير صحيح.

‏ولهذا فإن الواجب على الباحث أن يميز دائمًا بين ثلاث طبقات:

‏زمن صاحب الرواية الأصلي.

‏زمن الناقل الذي اقتبس الرواية.

‏الزمن الذي يراد إثباته بالرواية.

‏فإذا اختلفت هذه الأزمنة، لم يجز الانتقال من أحدها إلى الآخر إلا بدليل مستقل يثبت استمرار الحال وعدم تغيره.

‏إن احترام النصوص التاريخية لا يكون بالإكثار من الاستشهاد بها، وإنما بوضعها في إطارها الزمني الصحيح، وفهم دلالتها على وجهها، وعدم تحميلها ما لا تحتمل. فالتاريخ لا يكتب بكثرة النقول، وإنما بصحة المنهج، وسلامة الاستدلال، والتمييز بين النقل والتحقيق، وبين الرواية والدلالة، وبين الاحتمال والحقيقة التاريخية. وهذه هي الأمانة العلمية التي تحفظ للمصدر قيمته، وللبحث مصداقيته، وللقارئ حقه في الوصول إلى الحقيقة المجردة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *